ملامح وذكريات من الصين المعاصرة في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح أ.د. محمد عبد الرحمن يونس Professor: Mohammad Abdul Rahman Younes

ساحة تيان آن مين ببكين

 

 

ملامح وذكريات من الصين المعاصرة في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح

أ.د. محمد عبد الرحمن يونس

      Professor:

      Mohammad Abdul Rahman Younes  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد وفاة الرئيس الصيني ماو تسي تونغ عام (1976م) ، استلم مقاليد السلطة الرجل القوي في الحزب الشيوعي الصيني ( دنغ شياو بينغ ) ، وبدأ يغيّر خارطة الصين السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، وعمل جادا على نشر إيديولوجيته المعرفية المعادية لسياسة ماو تسي تونغ، وكرّس جميع توجهات الدولة في الصين لأن تسير وفق نسق معرفي مغاير تماما لما كان سائدا أيام ماو ، فأعلن رغبته العميقة بالانفتاح صوب أمريكا بمختلف علاقاتها الرأسمالية, وأطلق على برنامجه السياسي اسم : (( سياسة الإصلاح والانفتاح )) ، وفي ظلّ هذه السياسة تدنّت منزلة طبقة العمال والفلاحين في السلم الاجتماعي والسياسي, وارتفعت منزلة التجار وأصحاب الأموال والرأسماليين ، والملاك الجدد , وبدأت سياسة الدولة تنحدر تدريجياً لتتشبع بمفاهيم اقتصاد السوق وعلاقات شركاته التجارية والاستثمارية , و توفي دنغ شياو بنغ في عام (  1995م  ) ، وأتى بعده الرئيس جيانغ تسه مين , وانتهج سياسة سلفه دنغ شياو بنغ, وزادت طبقة العمال والفلاحين،ـ التي كانت هي الطبقة الأولى المأمول منها أن تطوّر الصين صناعيا وحضاريا،ـ فقراً وتهميشاً واستلاباً ، وأُبعدت تدريجياً عن بؤرة الأحداث والسياسة ومقاليد الحكم؛ وقد حدّثني صديق صيني مفكّر ومعروف في الوسط العلمي الصيني، وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث حول الحبّ والزواج والسياسة في عهد ماو، وعندما سألته: هل سبق لك وأن أحببت امرأة غير زوجتك الحاليّة حبّاً رومانسياً شفيفاً وعميقاً ملأ ذاكرتك ووجدانك؟ فقال: نعم، وكان أكبر مما تتصور، إنّه أول حب في حياتي، ولكني لم أوفّق إلى الزواج بها، لأنّ طبقتها الاجتماعية كانت أعلى منزلة من طبقتي، فقد رفضني والدها، لأنه كان  من طبقة العمال ، أمّا أنا فكنت محسوباً على طبقة المثقفين التي لا ترقى منزلة إلى طبقة العمال وفق رؤية نظام ماو تسي تونغ السياسي والاجتماعي. وإذا ما قارنا هذه الحادثة بما يجري اليوم في الصين المعاصرة، وتحت ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، فإنّ الرجل الصيني المعاصر يطمح في أن يتزّوج من طبقة الأثرياء والملاك الجدد وأصحاب الشركات التجاريّة والمقاولين ورجال الأعمال، لا من طبقة العمال والفلاحين، لأنّ كثيراً من الأثرياء الجدد يتأففون من منظر الفلاحين القادمين إلى بكين.وقد قالت لي إحدى طالباتي ، من طلاب السنة الرابعة،  التي  تنتمي إلى أسرة ثريّة يعمل الوالدان فيها في الشركات الخاصّة ، بكثير من الاستعلاء والطبقية والعجرفة ، وبينما كنّا نتجوّل في منطقة(كون جون فن) ـ : إنّ الفلاحين الكثر القادمين من الأرياف إلى بكين يسببون مشاكل كثيرة، ويسهمون في تشكيل الفوضى والزحام والتلوّث، بالإضافة إلى أنّ مناظرهم الريفية تسيء إلى الوجه الجمالي المديني والسياحي لمدينة بكين . وقال لي صديق صيني آخر، وبينما كنّا نتجولّ وعندما شاهدنا بائع أوراق اليانصيب: إنّ الحياة حظوظ ، وهنيئا لمن يحالفه الحظّ ويربح جائزة اليانصيب. وذكر أنّ عاملاً صينياً ربح قبل عامين ثلاثين مليون يواناً صينياً، وصار الآن رجلاً مهماً ومرموقاً ومن كبار رجال الأعمال، وقال بالحرف الواحد : (( ولم يكن يساوي حتى بصلة عندما كان عاملاً)). فالعامل الذي قامت على كتفه ثورة ماو تسي تونغ، غدا لا يساوي حتى بصلة في ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح. ومن خلال رأي هذا الصديق الذي يعبّر عن كثير من قناعات الصينيين المعاصرين يمكن أن نلمس مدى تدني طبقة العمال في الصين المعاصرة في التراتب الطبقي مقارنة بما كانت عليه أيام ماو تسي تونغ، ومدى النزوع الشديد لدى جماهير الصين إلى الثراء الفاحش، واختزان الأموال واستثمارها، ففي عهد ماو تسي تونغ (( كان الرجل الصيني التقليدي يخجل من أن يذكر المال في حديثه، أو يبدي اهتماماً به في ظلّ المفاهيم التقليدية. ومن يبد اهتماماً بالمال يستخفّ الناس به ويحتقرونه، أمّا الآن فقد ظهر اهتمام قوي بالكسب السريع، والتفنن في الملذّات الشخصيّة من شراب ورقص وخمور وطعام وجنس))، كما أكّد لي صديقي  البروفيسور الدكتور شريف شي سي تونغ الذي كنت أعمل معه في شعبة الدراسات العليا في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين .

وأصبح المال في المجتمع الصيني المعاصر غاية الغايات، وإلهاً وسيداً مطاعاً، وأخذ كثير من أبناء الجيل الجديد يدخلون الجامعات لا رغبة في المعرفة والتحصيل العلمي، وتوسيع آفاق العقل وقدراته، والإسهام في بناء الصين الحديثة، وعصرنتها، بل أملاً في الحصول على الوظيفة في الشركات الخاصة التي تدرّ الأموال الكثيرة . وقد حاورت طلبتي في الجامعة وسألتهم: هل تفضّلون الحصول على الوظائف الرسمية في الدولة أم على وظائف الشركات الخاصّة، والأجنبية العاملة في الصين؟ فأكدوا جميعاً أنهم يفضّلون العمل في شركات القطاع الخاص، والشركات الأجنبيّة لأنّ رواتبهم تتراوح في هذه الشركات ما بين 4500 يوان إلى       8000 يوان، في حين أنها لا تتجاوز 2500 يوان في شركات القطاع العام ومؤسساته. وحاولت جاهداً أن أقنع الطلبة المتفوّقين، ـ طلاب السنة الرابعة ـ  والذين يتقنون اللغة العربيّة إتقاناً جيداً أن يتابعوا دراساتهم العليا في الأدب العربي ليزدادوا فهما ًله، وتذوّقاً لقيمه الجماليّة،والإنسانيّة العالية، لكني عبثاً ما حاولت ـ باستثناء طالبة واحدة أبدت رغبتها الشديدة بمتابعة دراساتها العليا، لأنّها زارت كثيراً من دول الوطن العربيّ، فوالدها ثريّ يعمل في التجارة ، وهي ليست بحاجة للدخول مبكّراً في سلك الوظيفة ـ  فهؤلاء الطلاب مقتنعون تماماً كما أكّدوا لي أنّ الدراسات العليا في الأدب العربي لا جدوى منها، لأنها  لا تسهم في الكسب والثراء السريع، ولا تعطي الفرد وظيفة مرموقة توصله إلى صفوة القوم، فالحكومة الصينية لا تولي كبير الاهتمام بخريجي أقسام اللغة العربية في الجامعات والمعاهد الصينية التي تدرّس اللغة العربية. بل تسعى في جميع توجهاتها السياسية والاقتصادية والبحثية إلى كسب المال وبأقصر الطرق ، وبشتى الوسائل , ولا يهمها إن كانت هذه الوسائل في المطاف الأخير تهدف إلى إسعاد الناس أو تعاستهم، وزيادة تحميلهم ما لا يطيقون.

وفي هذه الأيام، وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح,  سعت الحكومة جادة لجمع المال من المواطنين الصينيين ومن السياح الأجانب،وذلك بفرض الضرائب، وفرض الرسوم الماليّة على زائري المناطق والحدائق السياحية في جميع أنحاء الصين،فليست هناك في الصين حديقة عامة واحدة يستطيع أن يدخلها أي زائر ـ سواء أكان صينيا أم أجنبيا ـ إلاّ بعد أن يدفع رسوما مالية لإدارة الحديقة، وهناك بعض الاستثناءات الطفيفة ، إذ تمنح بطاقات حمراء خاصة لأعضاء الحزب الشيوعي البارزين، يتمكنون بوساطتها من دخول هذه المعالم والحدائق السياحية. مع العلم أنّ رسوم الدخول إلى هذه الأماكن السياحية ليست قليلة مقارنة بمداخيل المواطنين الصينيين. فعلى سبيل المثال يبلغ رسم الدخول إلى القصر الصيفي في بكين (30) يواناً، وإلى حديقة بيهاي (20) يوانا، وإلى حديقة الحيوان (25) يواناُ، وإلى الجبل العطري( 20) يواناً، وإلى سور الصين العظيم( 45) يواناً، وإلى مقرّ اتحاد الكتّاب الصينيين عشرة يوانات، وهكذا. وتسهم هذه الرسوم إسهاماً كبيراً وواضحا في ثراء خزينة الحكومة، وبخاصة إذا عرفنا أنّ عدد زوار هذه المعالم كبير جداً، وأنّ هؤلاء الزوار يأتون من أنحاء الصين كافة. ومن جميع أنحاء العالم أيضا .

****

بيجينغ، عاصمة الصين،وهذا هو اسمها المعروف لدى العالم الغربي ، ونحن نسميها في العالم العربي بكين ، هذه  المدينة العجيبة التي تختلط فيها الأساطير بالوقائع والأحلام . وفي هذه المدينة  عملت أستاذا  في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين ، وهي أكبر الجامعات الصينية التي تدرس اللغات الأجنبية الكثيرة للطلاب الصينيين . وفي كلية اللغة العربية في هذه الجامعة ألقيت محاضرات لطلاب شعبة الدراسات العليا – الماجستير والدكتوراه ، وطلاب السنتين الثالثة  الرابعة ، درّست من خلالها نصوصا ودراسات أدبية في الشعر العربي الحديث والقصة القصيرة والمقالة والرواية والمسرح وتاريخ الأدب العربي . ولم تكن الحياة في بكين سهلة ، فبكين مدينة شاسعة جداً ، والجامعة التي أعمل بها خالية تماماً من العرب ، سواء أكانوا أساتذة أم طلاباً ، فجميع الطلاب العرب موجودون في جامعة اللغات والثقافة ، وجامعة العلوم الخاصة بالطيران ( ريخن)  ، وجامعة بكين ، والطعام الصيني مختلف تماماً عن الطعام العربي والأوربي ، وجميع مطاعم الصين لا تقدّم لروادها شوكة ولا سكيناً ، وكان عليّ في البداية أن أحمل معي شوكة وسكيناً ، وبقيت أحملهما كلما دخلت مطعماً ، إلى أن تعلمت استخدام العصوين الذين يبدو استخدامهما صعباً بالنسبة للأجنبي ، يضاف إلى ذلك،أيضا،  أن مطاعم الصين تقدم لحم الخنازير والكلاب والقطط والضفادع والثعابين والعقارب وغيرها في جميع وجباتها ، وأنواع اللحوم هذه هي التي يفضّلها الصيني على بقية الأنواع الأخرى . وكان عليّ وعندما أدخل أي مطعم – في البداية – أن أبرز لعاملة المطعم ورقة مدوّن عليها باللغة الصينية المعقدة جداً كان قد كتبها لي أحد طلابي في الجامعة : ” أرجوكِ أريد وجبة خالية تماماً من لحم الخنازير والقطط والثعابين أريد لحم الدجاج والسمك فقط “. وعلى الرغم من الصعوبات التي يجدها الأجانب في الصين يبقى الرحيل إلى الصين مثيراً وممتعاً ، فالصين عالم غريب وأسطوري ، ومغاير لمعظم بلدان العالم وعواصمها وعاداتها وتقاليدها ، عالم مثير، مليء بالغرابة والتناقض والسحر والدهشة والجمال ، فبكين المدينة الثريّة ، البطرة العملاقة التي يقول الناس عنها إنها ثالث مدينة في العالم من حيث الزحام والحركة وعدد السكان والكبر (بعد نيويورك وطوكيو) غاصّة بالمشاكل ، فإلى جانب التقدم التقني والحضاري والعمراني الذي وصلت إليه يوجد الفقراء والشحاذون الذين يملؤون أرصفة الشوارع الراقية فيها ، ويوجد البيوت القصديرية الضيقة التي تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم، وإلى جانب متاجر الألبسة الفخمة الفارهة التي تضاهي أكبر متاجر العالم ، يوجد دكاكين الأسواق الشعبيّة (البالة) الغاصّة بالفقراء وذوي الدخل المحدود . وإلى جانب المعاقل والمعالم العلميّة الكبرى التي تعلّم العلوم والمعارف الحديثة ، كجامعة الدراسات الأجنبية في بكين وجامعة بكين وجامعة (رين مين داشي) وغيرها من الجامعات ، يوجد المشعوذون الذين يقفون أمام أبواب هذه الجامعات ليقرؤوا ما تخفيه الأقدار والحظوظ ، من خلال قراءة ما تخفيه أكفّ الأيدي وتقاطيعها وبصماتها ، والغريب في الأمر أن الطلاب الصينيين الذين تربّوا تربية ماركسية يتوجهون إلى هؤلاء المشعوذين ليكشفوا لهم حظوظهم ومصائرهم . وفي معابد الإله بوذا في بكين تنحني نساء بكين إجلالا أمام بوذا ، طالبات منه أن يرزقهن غلاماً ، ويتقدّم إليه طلاب الثانوية العامة بالنذور علّه يمنحهم بركته ، وينجحون في الامتحانات النهائية . أمّا الرجال المهووسون بالسفر والترحال إلى أمريكا وأوربا ، فإنّهم أيضاً يذهبون إلى المعبد ويتضرّعون إلى بوذا علّه يمنحهم تأشيرة خروج من الصين .

وفي الأحياء الأرستقراطية الثريّة في بكين حيث ينتشر التجار الأجانب ورجال الأعمال الأثرياء ، تجد النساء ملاذاً لأحلامهنّ في الثراء واكتناز المال ، فينذرن أنفسهنّ خليلات ومرفِّهات ومدلِّكات لأجساد هؤلاء الرجال . وكلّ ذلك أمام مرأى رجال البوليس .

إنّ الصين المعاصرة التي انتهجت سياسة الإصلاح والانفتاح نحو أمريكا والغرب الأوربي بعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ (1976م) بدأت في عهد سلفه (دنغ شياو بينغ) بالتخلي عن معظم مبادىء النظام الاشتراكي ، فباعت الشركات والمصانع الحكومية إلى القطاع الخاص ، وباعت منازل الدولة إلى الملاك الجدد . وودّعت الاقتصاد الاشتراكي منتهجة اقتصاد السوق وسياساته ، وهي الآن في عهد الرئيس الحالي تزداد قرباً من أمريكا ، وتقيم معها أوثق العلاقات والروابط السياسية والتجارية ، أمّا علاقاتها مع إسرائيل فهي وطيدة جداً ، إذ يسهم الخبراء الإسرائيليون في تطوير الترسانة العسكرية الصينية . والإعلام الإسرائيلي قوي ونشيط جداً بينما – وللأسف – نجد أن الإعلام العربي في الصين هزيل جداً ومحدود ، وغير فعّال ، وفي أحيان كثيرة ملغى تماماً .

 

 

 

تحوّل كبير

 

في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح ، التي انتهجتها الحكومة الصينية، شهد المجتمع الصيني تحولا كبيرا في المفاهيم والقيم والأخلاق، ففي الصين ومع هذه السياسة »صار كل شيء موجودا، أمّا في هونغ كونغ فصار كل شيء مباحا « ، على حدّ تعبير الصينيين المعاصرين, وإذا كان كلّ شيء موجوداً في الصين، فإن كلّ شيء مسموح به، ما عدا انتقاد الحكومة الصينية والتظاهر ضدّها. وكان علي حتى أفهم المجتمع الصيني بتركيبته الثقافية والسياسية والمعرفية، أن ألتقي بنخبة من المثقفين أحاورهم، ولم أنس التجوال الطويل في الشوارع والمتاجر والأحياء الشعبيّة الفقيرة، والأرستقراطية في آن، وأن أتحدث مع الناس والبائعين، بصحبة بعض طلابي وأصدقائي الصينيين الذين كانوا يترجمون لي ما يحلو لهم، ويتجاهلون ما هو كاشف لعيوب المجتمع الصيني  ، فالصينيون يتصفون بالحذر الشديد من الأجنبي. وقد ساعدني على فهم ما يدور في الصين المعاصرة كثير من المراجع والمقالات المكتوبة عن الصين، والمتوافرة في مكتبة كلية اللغة العربية

بعض أمراض الانفتاح

وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها زعيم الحزب الشيوعي السابق دنغ شياو بنغ، والتي أطاحت بأنصار الزعيم ماو تسي تونغ، وبالمقربين منه، من زعماء السلطة السياسية.  تأسست مفاهيم وقيم رأسمالية جديدة لم تكن سائدة في مجتمع الصين وعلاقاته في حقبة الزعيم ماو تسي تونغ.

 

وفي ظل هذه السياسة  ظهرت الرشاوى والفساد والسرقات والمحسوبيات والعلاقات الشخصيّة والبيروقراطيّة الإدارية والعمولات ، وبدأت دوائر المجتمع الصيني  تغصّ بهذه الأمراض التي أخذت تنخر جسد المجتمع الصيني وروحه، وتفتته وتقسمه طبقياً، بحيث يزداد الفقراء فيه فقرا والأثرياء ثراء، واعتقد   كثير من الصينيين المعاصرين أنّ في هذه السياسة خلاصا اقتصادياً واجتماعيا وإنسانياً من مشاكلهم وأمراضهم السياسية و الاجتماعية، وأنّها ستحقق لهم أحلامهم في الثراء والرفاهية، التي لم تتحقق في حقبة الرئيس  ماو تسي تونغ.

وأحبّ أن أشير إلى أنّه نظراً لما عانته الصين من الاستعمار الأجنبي الطويل،   ومارا فق هذا الاستعمار من ظلم للشعب الصيني، وقهره، واستغلال خيراته، قد تشبّعت نفوس الصينيين بحساسية شديدة ضدّ أي أجنبي يقيم على الأراضي الصينية، ويعمل في مؤسسات الصين. فبعد أن استولى ماو تسي تونغ على مقاليد السلطة في الصين، قامت السلطات الصينية بمصادرة أملاك الإقطاعيين وتوزيعها على أفراد الشعب، وأمّمت المصانع العائدة لطبقة الرأسماليين، وطردت جميع الأجانب المقيمين على الأراضي الصينية ـ باستثناءات جدّ محدودة، تشمل مجموعة من الأشخاص المساندين للثورة الصينية والفاعلين فيها. ولم يستطع الصينيون المعاصرون بعد أفول نجم ماو تسي تونغ وسياسته الاشتراكية، وسيادة سياسة الانفتاح، وعلاقات السوق، ورأس المال، أن يخفّفوا من هذه الحساسية التي سرعان ما تظهر على وجوههم وفي مواقفهم، وفي انفعالاتهم، وممارستهم اليومية، كلّما لاحت الفرصة لها، فالصينيون المعاصرون كتومون، وحذرون جداً من الأجنبي، سواء أكان أوروبيا أم أمريكياً أم عربياً، أم غير ذلك، ويحاولون دائماً أن يخفوا عنه ما يجري في الصين المعاصرة، على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي. ونجد أنّ هذه الحساسية تنفجر في أحيان كثيرة لتصبح عنصرية ضدّ الأجنبي وبغضاً له. وإذا كان المثقفون الصينيون المعاصرون الكثيرون الذي زاروا العالم العربي، وعاشوا في مدنه، وتفاعلوا مع سكانه وعاداتهم وتقاليدهم، يكنون احتراماً لهذا العالم، ويصفون أهله بالكرم والوفاء ومساعدة الغرباء بإنسانية عالية، فإنّ قسماً كبيراً منهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من حساسيتهم ضدّ الأجنبي، وظلّوا يتعاملون مع العربي زائر الصين بحذر وريبة وشكّ.

إنّ الصيني، على الرغم من اتساع الصين، وشساعة أراضيها( 9.6 مليون كيلو متر مربع، أي أنّها من حيث المساحة في المركز الثالث في العالم بعد روسيا وكندا)، وعدد سكانها المذهل( بلغ عدد سكان الصين حتى نهاية عام 1998م، 1284.1 مليون نسمة، عدا سكان مقاطعة هونغ كونغ ومقاطعة تايوان، ومنطقة ماكاو،التي لم تدخل في هذه الإحصائيات، لأنّ هونغ كونغ كانت تابعة للإدارة البريطانية، وماكاو للبرتغال، أمّا تايوان فهي منفصلة عن الصين، ومتمردة على سياستها، وهي تحت حماية البوارج الأمريكية التي تحاصرها من أطرافها كاملة، وهذا العدد يشكّل 22٪ من سكان العالم)،  وعلى الرغم من هذه المساحة الشاسعة، وهذا العدد الضخم، فإنّ الصيني يحذر الأجنبي،ويضعه دائماً في دائرة الشكّ والحذر، وعدم الثقة بنواياه الخبيثة أو الطيبة، ويحاول دائماً أن يخفي عنه ما جرى ويجري في الصين، وينبّه الآخرين من الصينيين حتى يحذروا منه، ويعاملوه بريبة ، هو في أغلب الأحيان بريء منها،ويرى أنّ حريته يجب أن تكون محدودة وناقصة مقارنة بالصيني، لأنّه أجنبي؛ فبينما كنت أناقش أحد طلبتي حول مسائل الحقوق والحريات وقيادة السيارات، قال لي: أنت لا يسمح لك أن تفعل كذا وكذا، و ربّما لا يسمح لك أن تقود السيارة في الصين. فقلت له: لماذا. قال: لأنك أجنبي. قلت: هل يوجد عنصرية ضدّ الأجنبي في الصين إلى هذا الحدّ؟ قال لي وبكلّ وضوح وبدون خجل: نعم وأكثر من ذلك. إنّ تتالي الحملات الاستعمارية على الصين جعلنا عنصريين ضدّ الأجانب، إننا في الصين لا نسمح للأجنبي أن يتصرّف كما يتصرف الصيني. فقلت له: إنّ بلادي لم تستعمركم أبداً. فقال: أنت أجنبي على كلّ حال. وقال لي طالب آخر من طلاب الجامعة: نحن لا نحبّ الاختلاط بالأجانب ولا نرغب في معاشرتهم أو صداقتهم، لأنّ أخلاقنا وعاداتنا مغايرة تماماً لأخلاقهم وعاداتهم.

وقائع لا تنسى

وما زلت أذكر الحادثة التالية: بينما كنت بصحبة طالب من طلابي نتجوّل في الحي الدبلوماسي   (سانليتون)،الذي يبعد عن الجامعة التي أعمل بها حوالي ساعتين بسيارة الأوتوبيس، وقفت أتأمّل أحد الفنادق الفخمة، وكان فندق ( تشان تشان فانديان)،( فندق سور الصين العظيم)، وإذا بسيدة شابة تتقدّم إلينا، وتتوجّه إليّ من دون الطالب الصيني ـ وكانت هذه أول سيدة تكلمني طوال إقامتي في بكين ـ وتسألني: هل تحتاج إلى مساعدة؟. وعرّفتني بنفسها على أنّها مدرّسة في الجامعة، وأعطتني بطاقة مدوّن عليها اسمها ومكان عملها، وأرقام هواتفها، وبريدها الإلكتروني ـ باللغة الإنكليزية ـ . فما كان من الطالب إلاّ أن ردّ عليها بجفاء وعجرفة، وما أعارته اهتماماً، وما ردّت عليه؛ وطلبت مني بطاقتي، فأعطيتها قصاصة ورقيّة مطبوع عليها اسمي ورقم هاتفي وعنواني بالصينية والإنكليزية ـ كان قد طبع لي منها صديقي الدكتور بسام شوي تشينغ قوه، عدة قصاصات على الكومبيوتر ـ. وما إن ودّعتنا ممتطية دراجتها العادية، حتى انفجر الطالب ممتعضاً مؤنباً، وبدأ يلومني : لماذا تكلّمها؟ ولماذا تردّ عليها؟ عليك أن تتركها من دون أن تردّ تحيتها. يجب أن لا تكّلم الناس في الشارع، فأنت أجنبي. قلت له: ليس لي نيّة أن أكلّم أحداً من الناس وأنت معي، ثمّ هي التي كلمتني كما رأيت، وأبدت رغبتها بمساعدتي، ومن الأدب واللطف أن أردّ عليها باحترام وشكر، ولاسيما أنها أبدت رغبتها الكريمة بمساعدتنا لأنها ظنت أننا فقدنا الطريق، وأوضحت له أنّ الموقف بسيط جداً ولا يسيء إلى أمن الصين ومواطنيها، ويجري في معظم مدن العالم، وليس من الأخلاق في شيء أن أردّ تحيتها بعنجهية  وصدود. وقال: يجب أن تقول لها  معتذرا : أنا لا أعرف الإنكليزية.وطال النقاش بيننا، وكدنا نتخاصم.وقلت: عجيب أمرك يا رجل! أرجوك دعنا ننه النقاش وننس الموقف. أنت صديقي و أخي،و أرفض أن تكون رقيباً عليّ وعلى تصرفاتي.ورغبة في إنهاء الحوار قلت: إكراماً لك لن أكلّم بعد الآن أحداً من الصينيين في الشارع. فقال وقد شعر بشيء من الحرج: أنا لم أقصد مضايقتك، لكني أنصحك، فأنت أستاذي وأنا أحترمك، وأنت غريب لا تعرف نساء بكين الشريرات، قد تكون هذه المرأة بائعة، وقد تسبّب لك مشاكل في المستقبل، وقد تؤذيك.

وما كانت توقعاته صحيحة ، لأنّ السيدة كانت فعلا مدرسة فاضلة في إحدى جامعات بكين. وبعد ذلك دعوت الطالب إلى أحد مطاعم بكين، في منطقة ( وي غون تسون) ،ونسيت الموقف تماماً، غير أنّ هذا الطالب الذي أحمل له المودة والصداقة لم يستطع أن ينسى هذه السيدة، إذ سألني في ما بعد غير مرّة : هل شاهدتها ثانية؟ وهل نالك الأذى منها أم لا؟.

وليس الصيني حذراً من الأجنبي فحسب، بل هو حذر جداً من ابن وطنه وطينته أيضاً، فبينما كنت ذات أمسية أمشي وحيدا في منطقة( وي غون تسون) في الدائرة الثالثة في بكين، وبجوار محطة تلفزيون بكين، وإذا بإحدى طالباتي تسلم عليّ، وتسألني : ما ذا أفعل؟ وإلى أين أنا ذاهب؟. وكنت وحيداً أبدد حزناً وحشياً هبط عليّ فأعمى ذاكرتي وقلبي، وانقضّ ناهشاً أحلام روحي في بكين، المدينة العملاقة المتأججة صخباً وتلوثاُ، الفائرة كخلية نحل، والتي يقول عنها صديقي وطالبي خليل لوه لين، في شعبة الدراسات العليا : (( إذا أنت لم تذهب إلى بكين فلا تعرف كم أنت غريب وحزين ))، ويتابع قائلاً: (( وإذا أنت لم تذهب إلى كانتون(( مدينة التجار الأثرياء))،فلا تعرف كم أنت صغير وفقير ومهزوم، وإذا أنت لم تذهب إلى شنجان ـ بجوار هونغ كونغ ـ فلا تعرف كم أنت ضعيف الإرادة)) . وعندما سألته: لماذا ستكون ضعيف الإرادة عندما تزور شنجان ؟ أجاب: لأنّ النساء المتألقات سحرا، العبقات طيباً وإثارة سيغرينك بجمال أجسادهن الأسطورية، وبروائح بكتيريا الجنس النفّاذة من قاما تهن الممشوقة، وهنّ يتجولن متبخترات في شوارع شنجان الجميلة الغاصّة بكل ما لذّ وطاب، ومهما تكن قوي الإرادة فلا بدّ وأن تقع صريعا في شباكهنّ .

ولم أستطع أن أبدد مظاهر قلقي واغترابي أمام الطالبة، ومشينا سوية، وبينما نحن نمشي، وإذا برجلين يتقدّمان إلينا ـ يبدو أنهما تجاوزا السبعين ـ وكان واحد منهما يتكئ على عكاز، فأخذ يسأل الطالبة باللغة الصينية وبهدوء وأدب ، وما كانت قسمات وجهه تنبئ أنّه شرير أو معجب جنسياَ،بل كان فيها انكسار وحزن عميقين، فالرجل غريب في بكين وصغير، ويريد أن يستدلّ على عنوان ما، وعندما ألحّ في السؤال نهرته الطالبة غاضبة، وبشيء من الاحتقار، فانطوى حزينا كئيباً، وتراجع معتذراً. فقلت لها: هذا لا يجوز، وقلّما نجد مثل هذا السلوك في العالم العربي، وأعتقد أنّ أخلاق كونفوشيوس وتعاليم بوذا، تتنافى مع سلوكك هذا،. فقالت: هو يسألني وأنا لا أعرف، ثمّ يعود ويكرر السؤال عليّ ثانية. قلت: لا داعي لأنّ نصدّه بكل هذه  القسوة. قالت: أنا لست ملاكا للرحمة، ولا علاقة لي بكونفوشيوس وبوذا، أنا شيوعية، وجميع أفراد أسرتي شيوعيون،ثمّ إنّ هذا الرجل قد يكون شريراً سيئ القلب. وفي ما بعد سمعت أنّ هذه الطالبة مسؤولة في منظمة الحزب الشيوعي  على مستوى الجامعة، وأنّها تكتب التقارير إلى أمن الحزب والجامعة.

إنّ جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وتحديدا كلية اللغة العربية، تعلّم طلابها أن يكونوا حذرين من الأساتذة الغرباء وعنصريين أيضاً، إذ تلقّنهم مجموعة من التعليمات القاضية، بمعاملة الأستاذ الأجنبي بحذر وريبة وشكّ، وتنهاهم عن أن يجيبوا عن استفساراته حول بعض القضايا الفكريّة والسياسية والاجتماعية التي يجهلها في الصين.

التعليم  العالي في الصين

على أنّه يجب أن نقول ـ من باب الإنصاف ـ إنّ الصين في عهد ( جيانغ تسه مين) تطوّرت تطوّراً كبيرا في مجال الصناعة والعمران والاقتصاد، فالنهضة العمرانيّة في الصين تضاهي النهضة في كثير من عواصم العالم الأوروبي، حيث يوجد في الصين البنايات الشاهقة، والشوارع الواسعة، والميادين والساحات، والحدائق العامة المخطّطة تخطيطياً جميلاً ومدهشاً. وعلى الرغم من الأزمات الاقتصادية التي تهزّ كثيراً من عواصم العالم، فإنّ الاقتصاد الصيني يحقّق نمواً ونجاحاً كبيراً، وقد تزامن نموّه مع تجارة خارجيّة نشيطة أسهمت في إنعاش اقتصاد (200) مليون صيني من سكان السواحل الصينيّة، وقد قفزت منتجات الصين من  الحبوب والقطن واللحوم وزيوت الطعام والفحم والفولاذ والإسمنت والأقمشة وأجهزة التلفزيون، في عهد ( جيانغ تسه مين)، إلى المركز الأول في العالم.

وفي ظلّ الاقتصاد الصيني المزدهر تضاعف معدّل نصيب الفرد من مجمل الناتج الوطني في عام 2000م أربع مرّات عمّا كان عليه في عام 1980م، وتحسّنت أحوال الفقراء، وتمّ الإسراع في بناء نظام المؤسسات الحديثة (1)

كما أولت الحكومة الصينيّة اهتماماً كبيراً بالتعليم ، بمختلف مراحله، وبخاصة مرحلة التعليم الجامعي، فقد وصل عدد الجامعات في الصين حتى غاية 1998م إلى ( 1022) جامعة، يدرس فيها (3.41) مليون طالب وطالبة، أمّا الجامعات الخاصّة بالكبار فقد بلغت( 962) جامعة، ويدرس فيها (2.82) مليون طالب وطالبة (2).

وتولي هذه الجامعات أهميّة كبرى للدراسات العليا فيها، ففي عام 1998م، حصل     (38051) طالباً وطالبة على درجة الماجستير فيها، وحصل (8957) طالباً وطالبة على درجة الدكتوراه، وقد أسهم هؤلاء الخريجون إسهاماً كبيراً في تقدّم الصين وتطوّرها، فقد ذهبت أعداد كبيرة من الأكفاء الخريجين إلى مواقع العمل، وقد شهدت المؤسسات التي تديرها الجامعة، بالاعتماد على التكنولوجيا العاليّة، تقدّماً كبيراً، إذ قامت بتصدير منتجاتها المتطوّرة تكنولوجياً إلى الأسواق العالميّة(3). إلاّ أنّ التعليم العالي في الصين لا يزال في حاجة ماسّة إلى مزيد من الإصلاحات في النظم التربويّة، والبرامج الجامعيّة ، والنظم الماليّة والأقساط الجامعيّة، والإدارة البيروقراطيّة السيئة، حتى يكون قادراً على مواكبة الثورة المعرفيّة والعلميّة الكبرى التي تشهدها جامعات العالم المتحضّر. وقد دعا( لي لان تشينغ) نائب رئيس مجلس الدولة الصيني إلى مزيد من الإصلاحات في التعليم الجامعي قائلاً: » إنّ إصلاح نظام التعليم العالي الإداري قد خطا خطوة هامّة للغاية، إلاّ أنّه لا يعني أنّ مهمة الإصلاح قد انتهت، بل إنّه بداية للإصلاح بشكل ما، كما أنّ مهمات الإصلاح والتنميّة المستقبليّة ستكون أكثر مشقّة «(4).

 

الجامعات للمترفين

 

ولعلّ من أهمّ مشكلات التعليم الجامعي في الصين مشكلة الأقساط الدراسيّة الجامعيّة، فهي مرتفعة جداً، وهذا يعني أنّ التعليم الجامعي، على الرغم من عدد الجامعات الكبير، ليس ميسوراً للطلاب الفقراء، وهم كثر. وإذا كان في عهد ماو تسي تونغ، ميسوراً ومجانيّا لجميع طلاب الصين ـ باستثناء التعليم العالي الذي لم يكن يشجّعه ماو ـ فإنّه في ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، صار مأجوراً وبأقساط مرتفعة نسبياً، لأنّ هذه السياسة وضعت في أول اهتماماتها، الاهتمام الكبير بالمال، وجمعه، وإضفاء طابع التجارة على منشآت الدولة ومؤسساتها، بحيث تدرّ المال، فلا قيمة لها إن لم تكن قادرة على جلب الأموال الكثيرة. وقد دخلت الجامعات الصينيّة في حمّى اللهاث وراء الثراء والكسب السريع، فما كان منها إلا أن رفعت أقساطها الجامعيّة ؛ غير أنّه من المؤسف أنّ هذه الجامعات ـ على الرغم من ثرائها الكبير ـ تعطي أساتذتها الذين أفنوا أعمارهم في الدراسة والبحث العلمي، والإشراف على الطلبة وتدريبهم، رواتب هزيلة ومخجلة لا تحقّق لهم عيشاً كريماً ومريحاً،  وقد صرّح لي صديق صيني برتبة أستاذ أنّ دخل أيّ بائع فجل أو بصل في الصين يفوق دخل أيّ أستاذ جامعيّ مهما كان مرموقاً. وسألت أستاذا آخر في الكيمياء، وهو من الخبراء بالشأن الصيني, وبينما كنّا نتجوّل ذا ت مساء في شارع ( شيدان XIDAN)، ونتأمل البنايات الجميلة المزخرفة: هل يستطيع أساتذة الجامعات الصينيّة المرموقون أن يشتروا شققاً في هذه البنايات فقال: هذا مستحيل، فهذه البنايات مقصورة على الأثرياء جداً، وعلى مد راء الشركات الخاصّة وأصحابها، والمستثمرين الأجانب، وعلى النساء الجميلات عارضات الأزياء، وبائعات الهوى، الخبيرات برغبات الأثرياء الأجانب من التجار والسياح ورجال الأعمال، وعلى المتنفذين المرموقين من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذين يستلمون مناصب رفيعة في الحزب والدولة. وقال: لو بقيت مائة سنة أعمل في الجامعة، أنا وزوجتي ، لما استطعنا أن نشتري شقّة في هذه البنايات.

ومن مشكلات التعليم الجامعي في الصين، أنّ الجامعات الصينيّة تقوم بتعيين عمداء كلياتها ووكلائهم ورؤساء الأقسام فيها بناء على ترشيح الحزب الشيوعي الصيني، ولا يقوم مسؤولو الحزب بترشيح هؤلاء العمداء ووكلائهم ورؤساء الأقسام وكبار الطاقم الإداري في الجامعات، إلاّ إذا كان هؤلاء من المقرّبين إليهم، أو بتعبير آخر من توابعهم، والمحسوبين عليهم. ويتحكّم في قرارات هذا التعيين العلاقات الشخصيّة والعائليّة، والمحسوبيات والوساطات، ودرجة الولاء للحزب، والتطبيل والتزمير لسياسته وأهدافه وتوجّهاته، بعيداً عن القدرات المعرفيّة والكفاءات العلميّة، وفي أغلب الأحيان يكون هؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام وطاقمهم الإداري، هم أقلّ عطاء ومعرفة وعلماً من زملائهم الأساتذة المتميّزين الذين يرفضون هذه المناصب، ويستهينون بها، كما أكّد لي أستاذ جامعي وباحث صيني كبير، لأنّهم يعرفون تماماً أنّ مواصفاتهم لا تنطبق على المواصفات الخاصّة لهؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام، التي يحدّدها مسؤولو الحزب الشيوعي، ولا يرضون بديلاً منها، وغالباً ما يبدي هؤلاء العمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام والإداريون، في تعاملهم مع الآخرين، اعتداداً زائفاً بذات نرجسيّة متضخّمة ومريضة وجاهلة، أعطاها كرسي المنصب مزيداً من العنجهيّة والغرور والكذب، والكسل المعرفي، والإيديولوجيا الحزبيّة الضيقة، والبيروقراطيّة المتزمّتة، وهذا ما دفعهم إلى احتقار زملائهم الأساتذة الآخرين المليئين علماً ومعرفة، وبالتالي توظيف الطلبة الموالين لهم، والأكثر كسلاً وجهلاً، من بين الطلبة، إلى كتابة التقارير بأساتذتهم، ورصد كلّ كلمة يقولونها، وأيّ تصرف يقومون به، وغالباً ما تكون هذه التقارير ناتجة عن سوء فهم، وحساسيّة خاصّة، واختلاف في المفاهيم والرؤى والمعتقدات والأخلاق والعادات، والتي تتباين عند كلّ من الأستاذ والطالب، وأحياناً تكون ناتجة عن عدم فهم الطالب لدلالات لغة الأستاذ والخطاب الأدبي الذي يبثّه، وحمولته وأبعاده المعرفيّة، ومع ذلك فإنّ هؤلاء العمداء وأعوانهم الذين يتحوّلون من أكاديميين وباحثين إلى موظفين صغار في دوائر أمن الحزب والدولة والجامعة، يأخذون بتقارير هؤلاء الطلبة، ويمنحون ـ تأسيساً على هذه التقاريرـ أساتذة الكليّة درجات تسهم في ترقيتهم العلميّة أو تؤخّرها، ووفقاً لمزاجيات هذه التقارير, وبغض النظر عن القدرات الحقيقيّة والمعرفيّة والبحثيّة لهؤلاء الأساتذة المقصودين بهذه التقارير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مظاهر الطفرة الجديدة

 

بدأت بوادر الطفرة الرأسمالية تتجذّر واضحة في الصين ابتداء من عام 1993م، ودخلت في أهم معاقل الشيوعية الصينية في بكين، وهو ميدان ( تيان آن مين)، وقاعة الشعب الكبرى الموجودة في هذا الميدان، فقد افتتح بار(( كاراوكي)) الضخم بجوار بوابة مدينة الصين القديمة، وكان يُقدم في هذا البار أغاني ( البوب) متزامنة مع صور الفيديو، وكانت تعقد في هذا البار علاقات الجنس المحرمة، وقد حظيت هذه البوابة التي يرجع تاريخ تشييدها إلى عهد الإمبراطور الصيني( يونغ) في القرن الخامس عشر ـ الذي ينتمي إلى أسرة مينغ الإمبراطورية التي حكمت الصين ما بين عام  1368حتى عام 1644م ـ برعاية كبيرة من الحكومة الصينية لأنها من أهم المعالم الأثريّة القومية في الصين . وقد علل مدير البوابة( هو بي يون) ـ في ذلك الوقت ـ سبب افتتاح هذا البار قائلا:(( لا نستطيع التفكير في حماية آثار ا لصين من دون الأموال الكثيرة)).

وجرياً وراء سياسة الكسب السريع وجمع المال من أيّ مصدر كان، شرعت الحكومة الصينية في فتح الأماكن المحرّمة للسياح الأجانب، فقد فتحت بوابات المدينة المحرمة في ميدان تيان آن مين في عام 1988م، وأقامت فيها مقاهي وحوانيت مليئة بالهدايا. أمّا قاعة الشعب الكبرى الموجودة في هذا الميدان، والتي تعد مقرّ الحكومة الصينية الرئيس، والتي كانت قلعة محرّمة أيام ماو تسي تونغ، فقد افتتحت أمام عامة الناس في عام 1979م، وقد زارها حسب الإحصائيات الصينية ما بين عام 1979م وعام 1992م حوالي (41) مليون شخص، وقد دفعوا رسوما مالية للحكومة أجر هذه الزيارة.

رسوم الأجانب باهظة

 

ومن مظاهر هذه السياسة أن المقيم الأجنبي يدفع في العيادات الطبيّة الخاصّة والعامة الخاضعة لقانون الضمان الصحيّ أكثر مما يدفعه الصيني،فعلى سبيل المثال يدفع الصيني الخاضع لصندوق الضمان الصحيّ يواناً واحداً رسم بطاقة الدخول إلى مشفى الجامعة أجرة الكشف الطبيّ، بينما يدفع الأجنبي الخاضع لهذا الصندوق نفسه خمسة يوانات وأحيانا عشرة يوانات. وعلى كل حال يبقى هذا الرسم، سواء أكان عائدا للصيني أم للأجنبي، مقبولاً جداً. والحقّ يقال: إنّ الصين حققت قفزات طبيّة واسعة جداً في مجال الطبّ الوقائي والعلاجي، وقد سبقت في هذا المجال كثيرا من دول العالم الثالث، وبعضا من دول العالم الصناعي المتقدم . فالدولة تولي اهتماماً كبيراً بصحة المواطنين وعلاجهم، والأطباء الصينيون على قدر كبير من المعرفة والاطّلاع والأدب والتواضع والأخلاق العالية إذا يعاملون المريض الداخل في عياداتهم، بمنتهى التهذيب والمودة. وفي بعض الأحيان يزورون مرضاهم إلى منازلهم ليطمئنوا إلى صحتهم. إلاّ أن ّ المبلغ المالي غير المقبول الذي يدفعه الأجنبي، هو ذلك المتعلّق برسم شهادة الصحّة التي تعطى للأجنبي حتى يستطيع الإقامة في بكين ، إذ يترتب على الأجنبي أ ن يدفع (650) يواناً صينياً لقاء كشف طبيّ لا يتجاوز نصف ساعة في أحد مشافي بكين.

ومن مظاهر سياسة التمييز التي سنتها الحكومة ضدّ الأجانب أنّها حرّمت على الأجانب المبيت في الفنادق الرخيصة التي ينام فيها الصينيون، وفرضت عليهم النوم ـ إذا ما اضطّروا ـ في الفنادق عالية الأجر وذوات النجوم العديدة، والتي يبلغ أجور المبيت فيها     (88) دولارا فما فوق في الليلة الواحدة. وقد سألت صديقاً صينيا عن سبب ذلك، فقال: إنّ الخدمات التي تقدّم لزبائن الفنادق الراقيّة عديدة ومتميّزة، وهي تعكس الوجه الحضاري والمتطوّر للصين. ويطمح القائمون على هذه الفنادق ـ لقاء تقديمهم هذه الخدمات المتميزة ـ إلى كسب المزيد من الأموال التي يدخلها الأجانب إلى الصين  عند زيارتهم لها، وهؤلاء الأجانب كثيرون جداً . أمّا الفنادق الرخيصة ـ التي هي مقصورة على الصينيين ـ  فإنها تعكس الوجه السلبي للصين، وقاع المجتمع الصيني، إنّها تعريّ هذا المجتمع من قشرته الخارجيّة، وتكشف عن المهمّشين والمستلبين فيه، وهي في آن تعكس أمراض هذا المجتمع ، حيث تمتلئ هذه الفنادق ببائعات الهوى، وبالمدمنين على المخدرات، وبالمقامرين، بالإضافة إلى أن أجور هذه الفنادق رخيصة جدا، إذ لا تتجاوز أجرة الواحد منها ( 125) يواناً في الليلة الواحدة.  ومن هنا فليس من مصلحة الحكومة الصينية ذات التوجه الميكيافيلي المعاصر أن تسمح للأجانب بالمبيت في هذه الفنادق، لأنّهم سينقلون ما يشاهدونه من أمراض وعيوب إلى شعوب بلدانهم، وصحافتها من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ ما يدفعونه من أجور سيكون قليلا مقارنة بما سيدفعونه في الفنادق الراقيّة الفخمة، ولا سيما أنّ الحكومة الصينيّة حريصة كلّ الحرص على أن يبقى وجهها لامعاً نظيفاً أمام الرأي العام العالمي، وحريصة أيضاَ على أن تستدرَ أكبر قدر من الأموال إلى خزينة الدولة. وهذا لا يعني أبداُ خلو فنادق الصين الفخمة و الراقية التي تماثل أجمل فنادق العالم الأوروبي وأرقاها من بائعات الهوى، فمثل هذه الفنادق المنتشرة في جميع المدن الكبرى والسياحية غاصّة ببائعات الهوى القادمات إليها من جميع أرجاء الصين، وهي أكثر أماناً لطالبي الجنس وبائعاته وأقل تعرضا لمداهمات رجال البوليس، ورقابة رجال السلطة، إذ1 ما قارناها بالفنادق الرخيصة. ويؤمّ هذه الفنادق الراقية كبار رجال الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتجارة والمال من صينيين  وأجانب سواء أكانوا تجارا أم رجال سلك دبلوماسي عربي أو أجنبي .

انتهى المقال

(1)  ــــ  دون ذكر المؤلف:   الصين ، دار النجم الجديد، بكين، الطبعة الأولى 1999م، ص 107 ـ 108.

 

(2)  ـــ  دون ذكر المؤلف: الصين ـ الحقائق والأرقام، دار النجم الجديد، بكين، الطبعة الأولى 1999م ص 129.

 

(3)  ــــ   دون  ذكر المؤلف : الصين ، ص 198 ـ 199.

 

(4)     ـ  دون ذكر المؤلف:الصين ـ الحقائق والأرقام،  ص 131.

 

Advertisements

قراءة في كتاب (( في مجلس أبي الطيب المتنبي ))، تأليف الأستاذ  الدكتور إبراهيم السامرائي . الناشر : دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى .                          قراءة ودراسة : أ.د. محمد  عبد الرحمن يونس

 

 

في مجلس أبي الطيب المتنبي

 

 

قراءة في كتاب (( في مجلس أبي الطيب المتنبي ))، تأليف الأستاذ  الدكتور إبراهيم السامرائي .

الناشر : دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى .

 

                       قراءة ودراسة : أ.د. محمد  عبد الرحمن يونس

نائب رئيس جامعة ابن رشد في هولندا للشؤون العلمية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبو الطيب المتنبي (( أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي،           ( 303ــ 354هـ/ 915ــ 965م)،(( مالئ الدنيا وشاغل الناس )) ، أول شاعر عربي استطاع أن يحتل مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي القديم والحديث والمعاصر، لم يصل إليها أيّ شاعر عربي آخر ، وأول شاعر عربي نالت أشعاره حظاً وافراً من الدراسة والتحليل والمقارنة. وعلى الرغم من كثرة الدراسات الأكاديميّة التي درست بنية خطابه الشعري ، وعلاقته بأوضاع مجتمعه، فإنّ هذا الخطاب لا يزال قابلاً لمزيد من الدرس والتحليل، نظراً للقيمة الفنيّة الجماليّة التي وسمت هذا الخطاب، و نظراً للقيم الإنسانيّة التي دعا هذا الخطاب إلى تكريسها من شموخ وعزٍ وكبرياء، وإحساس بالعظمة قلّما نجد له مثيلاً في تاريخ الأدب العربي شعراً ونثراً.

ومن أحدث الدراسات التي حاولت أن تبرز بعض سمات الخطاب الشعري عند المتنبي دراسة الشاعر والباحث الأستاذ  الدكتور إبراهيم السامرائيّ الموسومة بـ (( في مجلس أبي الطيّب المتنبي)) . وتأتى هذه الدراسة عبر سجال نقديّ يديره السامرائيّ، مستحضراً أبا الطيّب المتنبي، وشخصية أخرى لتحاوره، ويطلق عليها أبا الندى، ويجلس الثلاثة جلسة شعرية ليتحاوروا حواراً قوامه شعر المتنبيّ، وموضوعات هذا الشعر. يحتدم الحوار تارة، ويبدو ودياّ حميماً تارة أخرى، يهدف في النهاية إلى تقديم شعر المتنبي بنزعاته الإنسانيّة حيناً، والمتعالية على غيرها حيناً آخر. يقول السامرائي: (( وها أنا أعود إلى شعره باحثاً أتفقّد فيه حاجة تقيم صلة جديدة ليست صداقة ولا عداوة، ولكنّها صلة الإنسان بالإنسان يعاشره فتنعقد بينهما وشيجة رحم مادتها الإنسان . وسأجعل هذه الصلة بيننا قائمة أسأل منها أبا الطيب مستحضراً ما قاله في شعره فألتمس الجواب فيه . وستكون هذه الصلة في مجالس يحضرها أبو الندى يتلو شعر المتنبي، وأنا أسمع فأسأل أبا الطيب فينعقد الحوار. وقد يكون الأمر في غير حوار فيبدي أحدنا ما يراه ويعرضه إلى صاحبه بين يدي أبي الطيب ، فإمّا أن يوافق أبو الطيب على ما رأينا وإمّا أن يكون منه موقف خاص.)). ص6.

وفي مجلس أبي الطيب المتنبي الذي يعقده السامرائيّ تتلاقى ثلاث رؤى نقديّة تمثّل ثلاثة تيارات فكريّة تحاول أن ترصد مظاهر شعر المتنبي. وهذه التيارات تنتمي إلى ثلاثة أزمنة: زمن معاصر يمثّل الخطاب النقديّ بتياراته المختلفة، ومواقفه المتباينة من شعر المتنبي، يحاول السامرائيّ من خلاله أن يوضّح توجه هذا الخطاب ، وأهم أسسه المعرفيّة، وطبيعة رؤيته وتقييمه لأشعار المتنبي، وزمن آخر تمثّله شخصية يطلق عليها السامرائيّ (( أبا الندى))، تقوم هذه الشخصيّة بدور الراوي، أو السارد الذي ينشد أشعار أبي الطيب المتنبي، ثمّ يبثّ رؤيته النقديّة حول هذه الأشعار، ويمكن أن تمثّل هذه الرؤية التيارات والمواقف النقديّة التي تزامنت مع شعر المتنبي، سواء أكانت متعاطفة معه، واضعة إياه في أعلى قمم الشعر العربي، أو معادية له، منقصة من قيمته الفنيّة والإنسانيّة. وزمن  ثالث  يمثّله المتنبي ، ويبرز من خلاله صوت الأنا الشعري الفاعل الذي يدافع عن نفسه، معتبراً أنّ كل الأصوات المعادية الأخرى هي أصوات تؤسس رؤيتها انطلاقاً من الغيرة والحسد والحقد الدفين على عظمة هذا الصوت الشعريّ وتفرّده.

إنّ مجلس السامرائيّ وأبي الطيّب المتنبي وأبي الندى هو الصورة النديّة للمجالس الأدبيّة الكثيرة عبر العصور التاريخيّة، إنه أشبه بندوة أدبيّة يتحاور فيها ثلاثة أدباء حول شعرية المتنبي، ويمثّلون حركة النقد العربيّ وتياراته ابتداءً من العصر العباسيّ حتى العصر الحالي، فالسامرائيّ وأبا الندى يستضيفان أبا الطيب المتنبي، ويستنطقانه ليبثّ أحزانه، وإحساسه بالغربة، وعبقريته الشعريّة، وتفرده في آن، ويحاولان من خلال هذا الحوار أن يطرحا مجموعة من الأسئلة التي تحاول أن تنتزع اعترافاً من أبي الطيب يفصح عن ذاته المتعالية، ولماذا هذه الذات الفرديّة متعالية على (( النحن الاجتمــاعيّة )) أو على (( الموضوعي الآخر)) ، ومن خلال الحوار نستنتج أنّ تضخم (( الأنا)) عند أبي الطيب يجعلها أحياناً تلغي الآخرين ، وتتجاوزهم وتسمو عليهم، وأمام هذه (( الأنا)) المتشعبة في الزمان والمكان والمالئة لهما، باعتبارها ذاتاً متعالية متفوّقة ونتشويّة، ليس أمام الآخرين إلاّ أن يُغمروا في أمكنة وأزمنة جدّ محدودة.

إنّ تعالي هذه(( الأنا)) هو الذي سبب له المتاعب طيلة حياته، مع ملوك وسلاطين عصره، ومع مدينته، وحتى مع ذاته نفسها، وهو الذي شرّده ، وطوى به الصحارى والقفار، وهو الذي دفعه ــ بشكل تدميريّ ومتوثب ــ لأن يطمح في أن يكون صاحب إمارة أو ولاية، فلماذا لا تكون هذه(( الأنا)) على سدّة الإمارة، أو الولاية الكبيرة طالما هي متفوقة على عشرات السلاطين والأمراء الذين يعاصرونها، وعلى بني البشر جميعاً. هذه(( الأنا)) المتعالية تعالياً نرجسيّاً . يقول المتنبي:

          أيّ محــــلّ أرتقــــــــي              أيّ عظيـــــم أتقــي

                                      وكلّ ما قد خلــــق الله            ومـــا لــــم يخــــلق

           محتقــر في همتــــــي              كشعرة في مفرقي . ص 15.

 

إنّ (( الأنا المعرفي)) عند المتنبي، الطموحة إلى الثراء والسيادة والسلطة، تتعالى على الشرائط الاجتماعية والإنسانيّة والحضارية التي سادت الزمان الذي عاشه المتنبي، وهي تتفوّق معرفياً وفناً شعرياً على كل بني البشر، وليمت من مات غيظاً :

                                   أنا ترب الندى وربّ  القوافي          وسمام العدى وغيظ الحسود. ص 14.

وتصبح هذه الذات رائيّة ، عالمة عارفـــــة ، معرفة الأنبياء. هذه الذات التي تعايش مجموعــــــــة من الأجلاف الرعاع تحاول جاهدة أن تخلصهم من خطاياهم وهمجيتهم ، وبالتالي فإنّها غريبة غربة روحيّة ومعرفيّة وإنسانية، إنّها كغربة المسيح بين اليهود :

                             ما مقامي بأرض نخلة إلاّ              كمقام المسيح بين اليهود . ص 15.

ولا يرضى المتنبي لغربته أن تكون أقلّ معنى، وقيمة إنسانيّة عن غربة الأنبياء، إنّها كغربة النبي صالح بين قومه :

                                      أنا في أمّة تداركــــها الله              غريب كصالح في ثمود. ص 14.

هذه الغربة الروحيّة، وشعوره بتفوّقه على أبناء زمنه كله، جعلته ــ على غير المألوف ــ متيقناً من أنّه هو الأصل وقومه جميعاً هم الفرع ، ولذا فمن الواجب أن يفخروا به بدلاً من أن يفخر بهم، فمصدر اعتزازه بنفسه لا يأتي من الإرث المعرفيّ  الإنسانيّ الذي خلفه الأجداد، بل هو متأصل في ذاته المتعالية قبل انتمائه إلى ذوات اجتماعيّة وقبليّة وقوميّة أخـرى :

                               لا بقومي شرفت بل شرفوا بي         وبحسبي فخرت لا بجدودي  . ص 13.

وها هو يرثي جدته، مستنفراً عظمة (( أناه الفرديّة)) ، يقول:

                                  ولو لم تكوني بنت أكرم والد             لكان أباك الضخم كونك لي أمّا . ص 13.

وأمام بروز هذه (( الأنا)) وتعاليها على قومها، يشير السامرائيّ إلى مواقف بعض نقاد المتنبي الذين عابوا عليه هذه النرجسيّة، ويستجمع هذه المواقف قائلاً : (( ألا ترى معي، أبا الطيب، أنك تجاوزت الحدّ وجعلت الشرف لك وحدك، وأنّ قومك عيال عليك، وأن آباءك، وأجدادك ليغرفون من بحرك ويقيمون مجدهم من مجدك. وكأنّ أبا الندى قد وقف على ((أنا)) في هذه القصيدة، وأحسّ أنك قد تجاوزت فيها الحدود، فاحتشم في حضرتك فطواها وأبى أن يتلوها.)). ص13.

والسؤال الذي يمكن أن يُطرح : ما هي أهم أسباب غربة ((أنا)) المتنبي داخل الموضوعي الجماعي؟ هـــل هي الغربة الروحيّة أم الاجتماعيّة أم السياسيّة ؟ أم كانت هذه الغربة نتيجة للإحباطات  والخيبات الكثيرة التي رافقت مسيرة المتنبي؟ . إنّ ذات المتنبي الطامحة لم يُقدر لها أن تُوضع في المكان اللائق بها نتيجة لظروف سياسيّة كانت أقوى منها، في حين أنّ الآخرين الذين لا يرقون إلى مستواها هم الأقوياء والسادة والحكام والأغنياء، وبأيديهم مقاليد كل شيء .

لقد كان المتنبي يعتقد أنّه أفضل من أيّ خليفة أو ملك أو أمير من أمراء عصره، فقد كان يشعر وأنّه في مجلــــس سيف الدولة الحمداني ــ صاحب حلب ــ (علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الربعي، 303ــ 356هـ / 915 ــ 967م)، وفي مجلس كافور الإخشيدي ــ صاحب مصر ــ (292 ــ 357 هـ / 905 ــ 968 م)، عظيماً مثلهما، بل أكثر منهما، فلماذا لا يكون الأمير المتوّج فوق عرش مدينة أو ولاية؟ ولماذا لا يتوّج إمارته الشعريّة بالإمارة السياسية  التي تمكّنه من استلام مقاليد السلطة . وهنا يمكن القول: إنّ سرّ عذاب المتنبي الدفين، وحزنه الراعف هو إحساسه بالاستلاب السياسي، وحرمانه من كرسي السلطة، ولو أنّ المتنبي لم يستنفر كل طموحه لأن يكون أميراً أو صاحب ولاية لكان أكثر عظمة إنسانيّة، ولكانت صورته التاريخيّة أشدّ إضاءة . هو يعتقد أنّه عظيم ، ولم ينكر أحد عليه ذلك، حتى أعداؤه كانوا في قرارة أعماقهم يعترفون بقامته الشعريّة المديدة، ويحسدونه على هذه القامة الشامخة، لكن أن يوظّف قسماً من طاقاته الشعريّة الجماليّة ، ويقف أمام أبواب السلاطين مستجدياً علّهم يمنحونه إمارة أو ولاية، فإنّ ذلك سيقلل من اعتزازه الإنسانيّ، وسيحطّ من عظمته، وسيرفع من شأن هؤلاء السلاطين في آن، وهنا تكمن نقطة الضعف التي سمحت لأصدقاء المتنبي وأعدائه وحساده معاً أن يوجّهوا سهام نقدهم إلى صدره من خلالها ، ويتساءلوا: هل يحقّ له أن يزهو بأثواب التيه والفخار على بني قومه ويحتقرهم في آن ؟ وهل يبقى قوله الشعريّ الآتي صحيحاً ؟:

   وكلّ ما قد خلق الله                وما لــم يخلــــــق

                                      محتقر في همتـــــــي             كشعرة في مفرقي

وهاهو المتنبي يمدح أحد الأمراء مستعطفاً:

               أرجو نداك ولا أخشى المطال به           يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا . ص 27.

ولقد كرّس المتنبي كثيراً من قصائده الشعريّة لمدح أشخاص قد يكونون عاديين ولم يقدّموا لأمتهم شيئاً يذكر، وربمالا يستحقون مدحاً، ومن هؤلاء الممدوحين: (( عبيد الله بن خلكان، وأبو المنتصر شجاع بن محمد المنبجي الرضي الأزدي، وعلي بن أحمد الطائيّ، ومحمد بن زريق الطرسوسي، وعبد الله بن يحي البحتري، ومساور بن محمد الرومي، ومحمد بن إسحاق التنوخي، والحسن بن إسحاق التنوخي .)) ص 20، وآخرون كثيرون.

وإذا كان المتنبي قد مدح أشخاصاً بما ليس فيهم، ومدح بعض الطغاة والظلمة فإنّه مدح بعض العلماء والقضاة الذين عرفوا بعلمهم وكرمهم، فهاهو يمدح القاضي عبد الوهاب المالكيّ الذي كان من أهل العلم والفضل، والذي هجر مدينة بغداد لأنّه لم يجد فيها أسباب العيش الكريم. يقول فيه:

             قليل الكرى لو كانت البيض والقنا          كآرائه ما أغنت البيض والزًّغف

              يقوم مقام الجيش تقطيب وجهـــه           ويستغرق الألفاظَ من لفظه حرف

             وإن فقد الإعطاء حنّت يمينــــــه            إليه حنين الإلف فارقـــــــه الإلف. ص 40.   

 

 

وإذا كان الدكتور السامرائيّ وشخصية أبو الندى التي تحاور المتنبي وتستنطقه، يريان أنّ المتنبي أكثر من مديح أشخاص وأمراء يستحقونه ولا يستحقونه ، فإنّ ثمّة رؤية نقديّة تدافع عن المتنبي، يثبتها السامرائيّ، ويدفع أبا الطيب المتنبي ــ من خلالها ــ لأن يبرر لنفسه هذا الكمّ الهائل من المديح. يقول السامرائيّ : (( قال أبو الطيب: تنكرون علينا أن نسلك هذا الطريق فيكون منّا نثر اللآلئ الفرائد بين يدي الممدوح وتقرّون عيناً بذلك ، وتأبون أن يكون منا سؤال ؟ (000) فأنا ابن الكرام البررة . ثمّ ألا ترون أنّ مثلي لا يكون له أن يكسب العيش بمهنة السوقة، أأكون حائكاً أم أكّاراً أم نحو هذا، وأنتم تدرون ما الحائك وما الأكّار؟ .)). ص 27 ــ 28.

غير أنّ هناك رؤية نقديّة مغايرة لما قاله المتنبي وهي تلك التي يتبناها تيار من النقاد العرب الذين عابوا على المتنبي مديحه الذي رفع ممدوحيه إلى مرتبة عالية من الشرف والسؤدد لا يستحقونها، ويثبت أبو الندى هذه الرؤية قائلاً : (( لقد جرت أبا الطيب على أدبك فأوردته موارد الهلكة وجعلت المناكير المجاهيل من ممدوحيك شموساً كزريق هذا [ محمد بن زريق الطرسوسي ] وعبد الله بن يحي البحتري وغيرهما ما أسخاك فيما جدت فيه من ألقاب وإني لأتأدب بأدب الذكر الحكيم الذي قرأت فيه قوله ــ عزّ من قائل ــ k ولا تنابزوا بالألقاب … k )) . ص 30.

ويتابع السامرائيّ ما نسي أن يضيفه أبو الندى على هذه الرؤية حتى تتضح: (( قلت : كان عليك أبا الندى أن تنشد قول الشاعر القديم في الكنية واللقب :

أكنيه حين أناديه لأكرمه              ولا ألقّبه والسوأة اللقبا .

ومن هؤلاء الأمراء المجاهيل المناكير أبو عبادة أخو عبد الله بن يحي البحتري، ومساور بن محمد الرومي، وهذا الرومي الأمير قد أطلت فيه وزدت حتى قلت :

أنّ القريض شج بعطفي عائذ           من أن يكون سواءك الممدوح .

لقد جلّ الشعر عن أن يكون حبيساً على هذا الرومي وحده .)) . ص 30 .

وفيما بعد كانت خيبة المتنبي كبيرة في الذين مدحهم، وهاهو يعبّر عن هذه الخيبة قائلاً :

ودهر ناسه ناس صغار                  وإن كانت له جثث ضخام

       أرانب غير أنّهم ملوك                   مفتحة عيونهم نيام . ص 37ــ 38.

وعلى الرغم من حضور المتنبي الطاغي في فضاءات الحياة الأدبيّة والفكريّة في عصره، إلأّ أنّه كان هنــــــاك   حضور قوي يواز يه وربما يفوقه وهو الحضور القوي للقادة والأمراء في  دولة عربيّة  متشرذمة ضعيفة متهاوية، فقد كثرت الدويلات المنفصلة عن الدولة المركزيّة ببغداد، وظهر القادة المستبدون الذين عاثوا في شعوبهم سلباً ونهباً واغتصاباً للخيرات واحتقاراً لكرامة وكبرياء الإنسان، وبدأت الدولة في الانهيار الشامل الذي أصاب بنيتها وتركيبتها السياسية والاجتماعية، وفقدت بغداد مركزيتها السياسية القوية في أيام الخلفاء العباسيين: المقتدر بالله بن المعتضــــــــد ( 295هـ /908م ــ 320 هـ / 932م )، والقاهر بن المعتضد ( 320 هـ / 932م ــ 322 هـ / 934م )، والراضي بالله بن المــــقتدر ( 322هـ / 934م ــ 329هـ / 940م )، والمتقي لله بن المقتدر ( 329هـ / 940م ــ 333هـ / 944م )، والمستكفي بالله بن المكتفي (333هـ / 944م ــ 334هـ /945م)، حيث أصبحت مقاليد السلطة بيد البويهيين في مدينة الريّ.  وفي مصر وسورية أحكم الإخشيديون قبضتهم في أعقاب الدولة الطولونيّة، وفي حلب أسس الحمدانيون إمارة مستقلة لمع فيها الأمير سيف الدولة الحمداني الذي قصده المتنبي ومدحه بأجمل القصائد وأعذبها .

وقد أسهم انفصال هذه الدويلات المستقلة عن الدولة المركزيّة ببغداد في أن يصبح للقادة المستقلين حضور طاغ بعد أن خرّب الفساد الدولة في إدارتها ومؤسساتها وجيوشها، بالإضافة إلى الأطماع الخارجيّة التي تعرّضت لها الدولة مــــن البيزنطيين والأحباش . وقد عرف المتنبي في هذه الدويلات كثيراً من  القادة والأمراء ومدحهم مديحــــاً تكسبياً في بادئ الأمر، ثمّ هجاهم هجاءً لاذعاً بعد أن خذلوه وردوه خائباً. فهاهو يهجو كافور الإخشيدي قائلاً :

أكلّما اغتال عبد السوء سيّده             أو خانه فله في مصر تمهيد
                       صار الخصيّ إمام الآبقين بها          فالحرّ مستعبد والعبد معبود

       لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه           إنّ العبيد لأنجاس مناكيد . ص 128.

                                          …

           و: وإنّ ذا الأسود المثقوب مشفره          تطيعه ذي العضاريط الرعاديد .

          جوعان يأكل من زادي ويمسكني           لكي يُقال عظيم القدر مقصود . ص 138.

إنّ  هذا الحضور القويّ للأمراء والقادة ظلّ يطارده طيلة حياته، ولم تمنحه المصادفات فرصة واحدة لأن يكون حاكماً مثل هؤلاء القادة، ومالكاً وصاحب سطوة ونفوذ ، وحتى  بلاط سيف الدولة، البلاط الذي قرّب المتنبي، واعتبره الشاعر الأول بين شعرائه لم يمنحه فرصة لأن يكون صاحب ولاية ، بل وجد فيه أعداءً حساداً خافوا من مطامحه الشخصيّة المتوثبة من جهة ، ومن أن يزداد سيف الدولة في إيثاره عليهم من جهة أخرى، فأوعزوا صدر سيف الدولة عليــه . يقول المتنبي معاتباً سيف الدولة :

أزل حساد الحساد عنيّ بكبتهم                 فأنت الذي صيّرتهم لي حسدا . ص 145.

ولم يستطع سيف الدولة أن يزيل حسد حساد المتنبي وينصفه من هؤلاء الحساد لأنهم كانوا جميعاً من أصدقاء سيف الدولة وأقربائه . عندها  خرج المتنبي من حلب متفجعاً بصداقة سيف الدولة الذي كان يعتبره أعظم الأمراء وأكثرهم أدباً وتذوقاً للشعر ، وأشدهم تمرساً بالحرب والفروسيّة. خرج يائسًا،ومليئاً بالحب والوفاء لسيف الدولة،و منشداً :

إن كان سرّكم ما قال حاسدنا                        فما لجرح إذا أرضاكم ألم .

لقد خرج المتنبي على المجتمع شاهراً سيف المعرفة والفضائل والاعتزاز بالنفس،  متمرداً، و رافضاً لكل ما شاهده من سوءات عصره، وسقطات ولؤم ورجال هذا العصر، ولم يكن خروجه خروج المتهورين، بل كان خروج الأدبــــاء والمفكرين الممتلئين وعياً معرفياً، المستوعبين لثقافة عصرهم فكراً وأدباً ولغة. يقول أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر( ابن خلكان ، ت 681هـ/1282م) عن المتنبي: (( … اشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين في نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها،، ولا يُسأل عن شيء إلاّ استشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إنّ الشيخ أبا علي الفارسي صاحب الإيضاح والتكملة قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فِعلى؟ فقال المتنبي على الفور: حجلى وظربى. فقال الشيخ أبو علي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً  فلم أجد . )). غير أنّ تفوّق المتنبي، وقدراته المعرفيّة، وميزاته الأخلاقيّة لم تكن قادرة على أن تصمد أمام أيّ قائد، مهما كان مرموقاً أو مغموراً، ومن هنا نستطيع أن نفهم غربة المتنبي الروحيّة والإنسانيّة، وخيبته من حكّام عصره . يقول معبّراً عن هذه الخيبة:

ولا أعاشر من أملاكهم أحداً                 إلاّ أحقّ بضرب الرأس من وثن. ص 139.

ولم تكن خيبة المتنبي من حكّام عصره فحسب، بل كانت خيبة عامــــة على المستوى السياســــــــي والإنساني و الاجتماعي  ، وبالتالي كانت خيبة من عصره كله، ومن سكان هذا العصر. يقول :

أذم إلى هذا الزمان أهيله                 فأعلمهم فدم و أحزمهم وغد

             وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ              وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد. ص 140.

من خلال مجالس الدكتور السامرائيّ وأبي الندى مع أبي الطيب المتنبي ، يستنفر السامرائيّ حسّــــــــه النقدي والجمالي، ويحاور المتنبي محاورة المتذوّق لأجمل ما في الشعر العربيّ، العارف لتاريخ هذا الشعر، ولأبعد جمالياته وسقطاته في آن . ومن خلال المحاورة تظهر رؤية السامرائيّ النقديّة من شعراء العربيّة المتميزين : ابن الرومي، أبي تمام ، البحتري. وعلى الرغم من إشارة السامرائيّ إلى عدم رضاه عن بروز الأنا(( النرجسيّة)) عند المتنبي،إلاّ أنّه يراه الشاعر الأهمّ من بين أعلام الشعر العربيّ، ويرفعه على أبي تمام والبحتري وابن الرومي. يقول السامرائيّ لراوي شعر المتنبي ــ أبي الندى ــ : (( ألم تذكر أني حدثتك عنه وقلت فيما قلت أين أبو تمام والبحتري وابن الرومي من أبي الطيب. كان لكل من هؤلاء شعر كثير ولكننا لانعرف منه إلاّ القليل نجتزئ به عن كثيرهم . ألا ترى ابن الرومي صاحب المطولات التي نيّف في كثير منها على الثلاث مئة أو الأربع مئة، و لكنها غثاء أحوى . وليس لك من شعره إلاّ رثاؤه لبنيه وقوله في البصرة واجتياح الزنج لها، وكلمات أخرى ضاعت في بحر ديوانه الصخّاب .  وليس أبو تمام ولا البحتري بأسعد حالاً، فأنت لا تستظهر من كلّ منهما إلاّ أشتاتاً يسيرة ، روّج لها أهل صناعة الأدب. أما سمعت أنّ أبا تمام في (( حماسته)) أشعر منه في شعره؟ وإني ليحزنني أن يبتئس منى أبو الطيب الشاعر الكبير الذي نسي به الناس جمهرة الشعراء الفحول. )). ص 19.

غير أنّ تفضيل السامرائيّ لأبي الطيب المتنبي على غيره من الشعراء لا يعني أنّه معجب بكل فضاءاته الشعريّة وموضوعاتها، بل هو يشير إلى هذا الكمّ الهائل من قصائد المديح التي سفحها أمام أناس كثيرين قد لا يستحقونها. فعندما يمدح المتنبي بدراً بن عمار:

لو كان علمك بالله مقسّماً             في الناس ما بعث الإله رسولا

       لو كان لفظك فيهم ما أنزل             الفرقان والتوراة والإنجيلا . ص 17.

فأنّ السامرائيّ يقول لأبي الندى : (( ولا أدري ما ذا يقول صاحب مجلسنا شاعرنا الكبير، أليس في قوله من الإغراق والمبالغة التي ليس لها أن تكون من دنيا الواقع؟ هو أنّه شيء من الكفر والتجاوز على خلق الله للناس. )). ص 17. وكأنّي بالسامرائيّ يعاتب المتنبي : يا سيّد الشعراء، المتعالي المتفوّق على زمانه ومكانه بقصائده، القائل:

وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي           إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا. ص 167.                               أيها المتفوّق تفوّق القديسين، المتوثّب الجامح أبداً، أما أكان من الضروريّ أن تسقط كثيراً من هؤلاء الممدوحين وأنت المتفوّق عليهم أدباً وشعراً ومعرفة، وأنت القائل :

           أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي              وأسمعت كلماتي من به صمم. ص 56.

أليس مجحفاً بمكانة شاعر محلّق مثلك أن يقف مستجدياً إمارة، أو عطاءً زائلاً ؟ .

وإذ يدخل الباحث والناقد السامرائيّ إلى أبعد فضاءات المتنبي الشعريّة والإنسانيّة، فإنّه يوظّف كثيراً من معارفه النقديّة ، ليتعامل معها كمرجعيّة معرفيّة مع خطاب المتنبي الشعريّ، مبيّناً أهم جماليات هذا الخطاب، وأبعادها الرؤيوية، وأهمّ نقاط ضعفه، وليضع بعضاً من نصوص المتنبي أمام إشكاليّة حقيقية تقود بدورها إلى مزيد من التساؤلات التي يمكن أن يطرحها متلقي خطاب المتنبي الشعريّ، وخطاب السامرائيّ النقديّ . ومن هذه التساؤلات :

ــ إلى أيّ مدى يتجلىّ  الصدق الوجداني، والجماليّ الفنيّ في خطاب مديحه؟

ــ أليست قصائده في المديح غائيّة ووظيفيّة، هدفها الوصول السريع إلى مكسب آني، قد يكون سلطة أو امتلاكاً ؟ وهل وضعته هذه القصائد في المكانة التي كان يطمح إليها حيث قال مادحاً نفسه؟:

          ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي              أنا الثريا وذان الشيب والهرم. ص 165.

  أم أن هذه القصائد أنزلته من مكانته الساميّة، وهو على أبواب كافور الإخشيديّ مادحاً طامعاً في رضى وولاية، ثّم فيما بعد ساخطاً هجاءً متفرّداً في هجائه، قائلاً ؟ :

من علّم الأسود المخصيّ مكرمة           أقومه البيض أم آباؤه الصيد

أم أذنه في يدّ النخاس دامـــــــية           أم قدره وهو بالفلسين مردود

أولى اللئام كويفير بمــــــــعذرة           في كل لؤم وبعض العذر تفنيد

              وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة           عن الجميل فكيف الخصية السود . ص 138.

 

وكيف سيقتنع متذوقو وعاشقو أدب المتنبي بصدق قصائده المدحيّة، طالما أنّ صاحبها ينتقل من وضع الممدوح في أعلى مكانة، ثمّ سرعان ما يتطامن هذا الممدوح إلى أدنى منزلة أنه لا يمنح المتنبي أجر مديحه ؟ كيف يصبح الشاعر الممتلئ عظمة، المالئ فضاءات الحياة العربيّ الإسلاميّة حضوراً أدبياً طاغياً، وفخراً بنفسه :

وليفخر الفخر إذا غدوت به               مرتديـــــــاً خيره ومنتعله

         أنا الذي بيّن الإله به الــــــ                أقدار والمرء حيثما جعله. ص 68.

كيف يصبح متكسباً أمام سلطان أو طاغية، طامحاً إلى منصب سياسيّ ؟ كيف يصبح أداة طرب ولهو بين يدي كافور الإخشيدي حين ينشده؟ :

           أبا المسك هل في الكأس فضل أناله               فإني أغني منذ حين وتشرب

                                                   …

         إذا لم تنط بي ضيعة أو ولايــــــة                  فجودك يكسوني وشغلك يسلب. ص 106.

وكم هي فجيعة متلقي قصائد المتنبي المدحيّة مريرة عندما يكتشف أنّ بنية هذه القصائد تكشف عن غايات  ومطامح   تكسبيّة ؟.

وإذا كانت ثقة المتنبيّ بولاة عصره وحكامه وناسه قد تبددت، وأصيب المتنبي ــ نتيجة هذا التبدد ــ بشروخ بعيدة الغور في خباياه نفسه، فإنّ هذه الشروخ لم تهزمه، لم تهزم (( الأنا )) المـــــــعرفي المتعالي عنده، ولم تهزم (( الأنا)) البطولي النتشوي المتفرّد في أعماقه وسلوكه وأشعاره، بل زادته دراية بنفسه وبالآخرين ، وعزّزت إحساسه بالتفوّق والعظمة. يقول مفتخراً بنفسه :

تغرّب لا مستعظماً غير نفسه            ولا قابلاً إلاّ لخالقه حكمـــــــــــــا

ولا سالكاً إلا فؤاد عجاجــــة             ولا واجداً إلاّ لمكرمة طعمــــــــــا

يقولون لي ما أنت في كلّ بلدة             وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسمى

                                                     …

وما الجمع بين الماء والنار في يدي       بأصعب من أن أجمع الجدّ والفهما. ص 59.

هذه هي بعض الموضوعات التي طرحها كتاب الدكتور السامرائيّ (( في مجلس أبي الطيب المتنبي )). ويبقى شعر المتنبي على الرغم من كثرة دارسيه ونقاده بحاجة إلى مزيد من الدرس والتحليل وكشف الكثير من أبعاده المعرفيّة والإنسانيّة والجماليّة .

 

 

 

 

في مجلس أبي الطيب المتنبي

كتاب “الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة” : للدكتور محمد عبد الرحمن باللغة ، لا بل الحكاية، مارست شهرزاد سلطتها في “الليالي” قراءة سيدة محمود في صحيفة الحياة Sex and power in the One Thousand and One Nights Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes

كتاب “الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة” : باللغة ، لا بل الحكاية، مارست شهرزاد سلطتها في “الليالي”

تفاصيل النشر:

المصدر:

الكاتب: سيد محمود

تاريخ النشر(م): 19/3/1999

تاريخ النشر (هـ): 2/12/1419

منشأ:

رقم العدد: 13160

الباب/ الصفحة: 18

الكتاب: الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

المؤلف: محمد عبد الرحمن يونس

الناشر: دار الانتشار العربي-بيروت 1998

> عبر أجيال وحضارات مختلفة استمرت قصص “ألف ليلة وليلة” تحمل أسرار خلودها وتجذب أنظار القراء والباحثين عن المتعة الأدبية التي يحملها هذا النص الفريد، بوصفه “نص الحكاية المقطوعة الموصولة في آن”.

وعلى رغم أن “الليالي” تبدأ جميعها بالعبارة الخالدة والمكررة: “قالت بلغني أيها الملك السعيد” وتنتهي بعبارة: “وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح”، إلا أن هناك مساحة تتشكل بين العبارتين يمتزج فيها السحر بالخرافة والأسطورة بالحكاية الشعبية والجنس بالحب. ونالت هذه المساحة حظها من الدراسات التي شملت غالبية لغات العالم، غير أنها لم تكشف تماماً كل أسرار هذا النص الذي تتعدد فيه أنماط السرد بالصورة التي تخفي جنسيته وتجعله نصاً عابراً للأجيال تتحق كل أشكال “التثاقف” والتبادل الحضاري.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يهتم بتحليل طبيعة خطاب الجنس في الليالي ومكوناته، وكيف اعتمده الرواي كبنية مهمة لنمو السرد والقص، ومن ثم دوره في البنية الحكائية العامة لليالي، وكيفية تقديمه كمادة رئيسية تتحكم في علاقات الشخوص داخل الحقل الاجتماعي والسلطوي للنص.

وفي الكتاب يرى المؤلف أن مجتمع “ألف ليلة وليلة” مجتمع أبوي بطريركي، يسوده نظام ذكوري يتجلى في معظم الحكايات، ابتداء من سلطة شهريار حتى سلطة الرجل العادي.

ويرى أن خطاب الجنس وحده هو الذي يُحدّ من سلطة الذكورة ويخفف من توتر الشخصية النفسي في حكايات الليالي. وهذا الخطاب هنا نوع من “الزخرفة” أو هو “نسق ارابيسكي” يعتمد تمازجاً وتناسقاً خاصاً يخرق بنية اللغة العادية ويحيلها الى لغة فريدة من خلال حركية البنية السردية وتداخلها.

ويرى أن هذه الحركية ساهمت في تحرير طاقات الرد الكامنة وإخراجها من نمطيتها، لكنه أي – خطاب الجنس – شكّل سرداً مغايراً لبقية أنواع السرد السائدة في الليالي في حين بدا وكأنه سرد ذو بنية تكاد تكون واحدة في كل الحكايات الجنسية التي تمتلئ بها الليالي.

وفي مقدمته النظرية الطويلة، لا يكف المؤلف عن التأكيد على الدور الذي تلعبه الفروق الطبقية التي تملأ فضاءات مجتمع الليالي في تشكيل نسيج الحكاية. فالطبقية الحادة تجسد طبيعة السلطة الذكورية وممارساتها، والتباين الطبقي في مجتمع الليالي يقضي على سلام المرأة الجارية واطمئنانها، ويقضي في الوقت نفسه على سلام العبد المملوك الذي يتعرض للذل والمهانة.

وفي المقابل يرى المؤلف أن هناك داخل النص مجتمعاً يسميه “مجتمع الأنوثة”، حيث تتربع فيه المرأة على العرش الاجتماعي. وفي هذا الموقع تمارس المرأة شتى أنواع العبودية على كل من هم دونها، وأحياناً تمارس هذه السطوة على من تحبه، وبالتالي يفقد ذكورته ويصبح على المستوى الانساني أدنى من الجارية العادية أو الوصيفة.

ويعتقد المؤلف أن شهرزاد نجحت في إدراك طبيعة هذا المجتمع “الذكوري” الذي يضع قضايا الجسد على رأس أولوياته، لأن شهريار على رأس هرمه الاجتماعي، لذلك عمدت الى تطعيم سردها الحكائي بخطاب لغوي مثير من ناحية الوصف، كما لم يخلُ من عبارات ذات ايحاءات جنسية مثيرة.

وفي السياق نفسه يواصل المؤلف تشريح المجتمع الذكوري المهيمن على فضاء الليالي، ويرى أن فيها كذلك إشاعة للخطاب السلطوي الذي يفرض هيمنته ورؤاه على مختلف جوانب الحياة، وبالدرجة الأولى على جسد المرأة.

وبالتالي فإن مجمل مواقف هذه السلطة الذكورية هي مواقف شاذة ونزقة، تغيب فيها كل القوانين الانسانية التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة.

وإذا كانت المرأة في “الليالي” هي الحلم الوردي بالنسبة الى الشخصيات التي تصنع الأحداث – بدليل أن تقنيات القص تركز على حضورها المكثف – فإن ولادة أي حكاية جديدة أو توالدها، هو أمر يعني بالضرورة حضور الجنس بحيث يصبح التركيز عليه غاية هذه الحكاية الجديدة وهدفها.

وفي قراءته لبعض حكايات “الليالي” يعمل المؤلف على تحليل خطابين أساسيين، يرى أنهما يحكمان فضاءات هذا العمل، الأول: هو خطاب السلطة، والثاني هو خطاب الجنس.

لذلك فإن قراءته، بالأساس، تحلل الوضعية السوسيولوجية للنص. وهي وضعية يرى أنها تركز على مبدأ ما فوق اللذة باعتباره هدفاً من أهداف الراوي والمتلقي/ شهريار.

وينظر المؤلف الى ثقافة الشخوص في “الليالي” بوصفها “ثقــــافة وظيـفية” تكمن مهمتها في خدمة المنحى السياسي العام الذي يشـــكل أنماط سلوك السلطة.

ويرى أن الشخصية النسائية في ظـــــل هذه الوضـعية هي مجرد وسيلة لإشباع نزوات النظام البطريركي الأبوي الذي يتحكم في مسار”الليالي” ويشدّد على أن هذا النظام هو نظام لا يحترم المرأة ولا يقدرها إلا كسلعة.

ويعتقد أن هذه النظرة “المتدنية” للمرأة هي إحدى خصائص المجتمعين الأُموي والعباسي اللذين كان لهما الحظ الأكبر في كونهما فضاءً زمانياً لحكايات “الليالي”.

ولا ينــــسى في هــذا السياق أن يتناول إنفتاح بنــــــية “الليالي” العربية على بنيات أخرى أهمها بنية المجتمع الفارسي، وما رافق هذا الانفتاح من مظاهر تأثير وتأثر في النواحي كافة.

المرجع : صحيفة الحياة

http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/1999/3/19/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%94%D9%84%D9%81-%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%84%D8%A7-%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D8%AA-%D8%B4%D9%87%D8%B1%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A.html

صورة غلاف الجنس والسلطة

الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة” وشهوة القص مراجعة كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن يونس ـ مراجعة وليد الزوكاني ـ جريدة الصوت ـ الكويت Sex and power in the One Thousand and One Nights Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes

الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة” وشهوة القص 

المجتمع الطبقي الصارم وفر للبعض فرصة التفرغ للعلم

وليد الزوكاني الاثنين 27 أكتوبر 2008

المحور الأساسي للكتاب هو الجنس وجسد المرأة ، لكن شهرزاد المرغوبة دائماً، تبدو وكأنها لا تتورط في هذه اللعبة الكونية، بل تقف على الدوام ساخرة من بني جنسها، وحين تتوقف عن الكلام المباح فإنما تتوقف عن الجنس، بعد أن تحوله من فعل جسدي إلى فعل سردي.

إن إضافة ليلة واحدة إلى الألف ليلة، ليس للدلالة على عدد الليالي أو القصص، بل للدلالة على لانهائية القص والحكي ، ولا نهائية موضوع الكتاب، وكأن العنوان اختزل أبدية القضية في الليلة المضافة.

وهو كتاب غني بالحكم والأدب والعلم والتاريخ والمادة النقدية، كتاب جامع أريد منه شمول الهم الإنساني، والتفكير البشري .

وحسب رأي الدكتور محمد عبد الرحمن يونس في كتابه “الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة” فإن كتاب ألف ليلة وليلة نتاج عدد كبير من المؤلفين، ومن حضارات مختلفة، هندية وفارسية وعربية، لأن اختلاف بنية الحكايات واضح من حيث الأسلوب ، ولعل التاريخ الطويل لهذا الكتاب، ومروره في حضارات متعددة، في أطوار نموه واكتماله، أعطاه هذا التنوع الأسلوبي والحضاري، فالكتاب احتفظ بأساليب الحضارات التي ساهمت في انجازه على الصورة الأخيرة.

اللعبة الكونية

المحور الأساسي للكتاب هو الجنس وجسد المرأة الحاضرة دائما، لكن شهرزاد المرغوبة دائماً، تبدو وكأنها لا تتورط في هذه اللعبة الكونية، بل تقف على الدوام ساخرة من بني جنسها، وهي حين تتوقف عن الكلام المباح فإنما تتوقف عن الجنس، بعد أن تحول من فعل جسدي غريزي، إلى فعل لغوي سردي واع.

ولتترك شهريار تواقا دائما، ليس للجسد والجنس بل لنهاية الحكاية التي لا تنتهي ولن تنتهي.

في القسم الأول من الكتاب ، يدرس الكاتب كتاب ألف ليلة وليلة دراسة أسلوبية ليخلص إلى أن الكتاب مر بصياغات عدة وإضافات من ثقافات مختلفة ، تركت أثرا منها في اللغة والأسلوب، ويتعرض في هذا القسم إلى أن الكتاب لم ينجزه كاتب واحد خلال فترة زمنية متصلة ، بل لعل المؤلفين كثر ومن حضارات مختلفة ، ويؤكد في هذا القسم أيضا على دور المرأة ومحورية هذا الدور جسديا ونفسيا ، بحيث تكتنز المتع الحسية كافة، ليصبح الحصول عليها بمنزلة الحصول على كل شئ.

البديل السردي

وفي القسم الثاني يتناول المؤلف المحتوى القصصي للكتاب، ورمزية الشخصيات لتظهر شهرزاد في حالة قص دائم ، وكأنها في حالة جنس دائم مع الرجل الذي لا يشبع من الحكاية، في إشارة إلى الجسد، وهي في سكوتها الصباحي المعتاد، ومعاودة القص تفتح بابا إلى أبدية من نوع آخر ، أبدية الحكاية وموضوعاتها. وإذا كان شهريار توقف عن التمتع بالجنس الفعلي، فإنه حول ذلك إلى نوع آخر من المتعة، متعة القصص والحبكة والنهاية، متعة الترقب وانتظار الأقدار، متعة من نوع آخر سردية، إذا صحت التسمية .

وفي القسم الثالث ينتقل المؤلف إلى دراسة السلطة وعلاقتها بالليالي وبالحب، من خلال استقصاء سلوك الناس في محاولة لرسم حالة ثقافية تاريخية خاصة بالمجتمعات في ذلك الوقت ، ليكشف عن سلطات منافقة تسعى لجمع المال والأشياء وأجساد النساء، وتربط الحب بالجنس بشكل مباشر وفج ، بحيث تصبح الليالي من خلال الحب والرغبة موائد عامرة يقدم عليها اللحم البشري.

طبقية قاسية

كما أن العدد الكبير للجواري أشاع الجنس عند طبقة معينة من مجتمع ذلك الزمان، ومنح أفرادها فرصة الانعتاق من حاجة الجسد والكبت الجنسي، ليتفرغوا للعلم والأدب.

ثم يخلص الكاتب إلى نوع من المقارنة بين مرحلتين من مراحل المجتمع العربي والإسلامي، مرحلة وفرة الجنس إلى حد ما، والتحرر بالتالي من الكبت ومرحلة تابو الجنس في العصر الحديث، وخضوع الإنسان لحالة من الكبت الجسدي والنفسي أهدرت طاقته، ولعل المجتمع في ذلك الوقت كان أكثر نقاء وطهارة إذا ما نظرنا إليه من خلال مخرجاته العامة الصحيحة والمنتجة، أمام مخرجات مجتمعنا المعاقة إلى حد كبير، وعدم مقدرة الأفراد في المجتمع الحديث من الرقي بأنفسهم باتجاه الإبداع والتفرغ للقضايا المجتمعية والعلمية الجادة.

ظلال العلم والتقدم

وهنا نصل إلى مفهوم للتخلف يلح علينا، لعله مفهوم نفعي، ولكن لا مناص من التساؤل حوله، أي المجتمعين الأكثر تقدما او الأكثر تخلفاً من الآخر؟؟

ولا يخفي المؤلف في دراسته لسيسيولوجيا ألف ليلة وليلة، البنية الطبقية الصارمة والعنيفة لذلك المجتمع، بحيث يبقى امام المسحوقين فرصة واحدة للعيش، وهي استبطان الذل والتصالح مع القمع والبؤس اليومي، الذي يبدو شأن إلف ليلة وليلة بلا نهاية ، وفي المقابل أمام الطبقة العليا التساؤل حول مزيد من المتعة والثروة والغنى والإذلال، ولعل الطرح الجنسي في كتاب ألف ليلة وليلة لا يخلو من علاقة إذلال بين طرفي العلاقة، أكثر منها علاقة تكافؤ إنساني، ثم يخلص الكاتب الى نوع من الدراسة النقدية ليربط ممارسة شهرزاد للحكاية بممارستها للجنس، وكأن الحكاية هي بديل متصور على حكائية الجنس وديمومته، وكأن المرأة صارت تحكي العالم من خلال هذه النافذة فقط.

المرجع: جريدة الصوت الكويتية صورة غلاف الجنس والسلطةالجنس والسلطة ـ الغلاف الأخير

 

 

Sex and power in the One Thousand and One Nights Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس ـ قراءة الأستاذ أحمد الشريف من مصر

 الأديب أحمد الشريف يراجع يقرأ كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن يونس: الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب بحث عميق في العلاقة بين الجنس والسلطة في الليالى وعن دور صورة غلاف الجنس والسلطةالجنس والسلطة ـ الغلاف الأخيرالمرأة ليس في مجتمع الليالى وحسب بل المرأة الراوية ــ شهرزاد ــ التي مثلت مع بنات جنسها البؤرة المركزية لليالي.
ذلك ما دعا عددا لا حصر له من الباحثين والمترجمين في كافة أنحاء العالم، للقول ان الليالى تجسد عالم المرأة بجدارة أو بتعبير الكاتب البوسنى جواد قره حسن إن ألف ليلة وليلة الكتاب الاكثر أنوثة في الادب العالمي، فمن خلال القص وفعل الجنس أنقذت شهرزاد نساء مدينتها من بطش شهريار، فهى المفدى والمخلص.
ولكن قبل الحديث عن علاقة شهرزاد وحكاياتها بالسلطة في مجتمع الليالى يقول الباحث ان ألف ليلة وليلة لها اصول فارسية وهندية والادعاء بأنها عمل عربى خالص ادعاء لا يخلو من تعصب لصالح الادب والخيال العربيين، احكى حكاية والا قتلتك.. ثم امنحينى جسدك هذا هو المبدأ الجوهرى الذى يمكننا به فهم بنية وتشكل الحكاية في ألف ليلة وليلة، وهو المبدأ الجوهرى الذى يشغل بال السلطة الحاكمة زمان القص، ان اللذة العجيبة التي كان يجدها شهريار في قتل النساء في مدينته تعادل لذة الليالى الحمراء التي ترويها شهرزاد، وتبدو شهرزاد فى معظم الليالى ــ قبل ان تكون مخلوقا انسانيا ــ مجرد جسد ووعاء لذكورة السلطان ــ شهريار ــ وأرقه، فهى تشحذ ذاكرته وتحبب اليه الفعل الجنسي، وذلك بتوالى ليالى القص وما فيها من تداعيات ورؤى جنسية، وعشق مبحوح، وخيانات زوجية، فمنذ ان رأى شهريار زوجته تمارس الحب مع العبد الاسود، احس بشرخ في اعماقه، وفقد ثقته بذاته، وقدرته الذكورية المطعونة، وأحس ان كل امرأة يمكن ان تخونه مع عبد آخر، فاصبحت المرأة بالنسبة اليه مجرد جسد لليلة واحدة وبعد ذلك يأتى فعل القتل تتويجا لهذياناته السلطوية، فالخطاب، خطاب القتل يلتقى مع خطاب الجنس، وما يبعد الاول عن ساحة الفعل الحقيقى هو السرد الحكائى المطعم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بخطاب الجنس، ومع القص تشكل عملية الافتتان بشهرزاد على مستويين:
1ــ مستوى اللذة لاكتشاف بقية الاحداث في الحكاية.
2ــ مستوى الفعل الجنسى المثار أو المحرض في معظم الحكايات.
نحس اثناء قراءة الليالى رغم تواجد المرأة سواء أكانت جارية ام معشوقة، ام عاهرة ام حرة ان جوعا جنسيا يفترس الرجل والمرأة معا، وبعد ان تطفئ الليلة الحمراء شبق الشخصية وجوعها، سرعان ما يتأجج هذا الشبق الانثوى والذكورى ثانية، بحيث تستمر حميمية اللحظة التي يلتقى فيها جسد ما بجسد آخر من المساء الى الصباح، واحيانا تتكرر هذه الظاهرة لأيام متواصلة والظاهرة في حقيقتها تنم عن الخواء الانسانى العام الذى تحس به الشخصية نتيجة هزائمها امام بنيات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية كذلك لا يمكن اغفال الخطاب
الدينى وعلاقته بالجنس والسلطة فالخطاب الجنسى في الليالى ينمو ويزدهر باعتماده على الخطاب الديني، وقدرة هذا الخطاب لأن يكون حقلاً مرجعيا ثقافيا يمتح منه خطاب الجنس ففى احدى الحكايات يرغب الملك سليمان بالزواج من امرأة جديدة وتأكيدا لرغبته في هذا الزواج يستشهد امام وزيره بالحديث النبوى الآتى تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة ، وايضا لا يمكن ان نغفل عن فساد السلطة ولقد فتح لنا الباحث قوسا مهما عن ذلك، لقد كان الرشيد نفسه يغيب في الليالى عن السياسة ومشاكلها، وعن هموم المواطنين والمسحوقين، وعن المدينة الغاضبة بالنقمة على نظام حكمه، فقد تركزت اهتماماته في بناء القصور الخاصة، وجلب الجوارى من ابعد اصقاع الارض وتنمية امواله الخاصة واطلاق غرائزه الجنسية الى اقصاها، ان حياة اللهو والترف الماجن
ومظاهر الحياة الجنسية التي كان يعيشها مع جواريه لم تترك له فسحة للتأمل في احوال الناس وبؤسهم، بل سلم بغداد لمجموعة من المنحرفين وقطاع الطرق.
نعود مع الباحث الى المرأة ومركزيتها في الليالي، ان المرأة في ألف ليلة وليلة هى الحلم الوردى بالنسبة للشخصيات التي تشكل الحدث، اذ تتركز تقنية القص على حضورها المكثف، أليست هى التي تحقق للرجل الرعشة وهزة الجسد؟ أليست الفضاء الذى يلوذ به الرجال، اذا ما حاصرتهم الغربة والوحشة والكآبة وعلاقات الربح والخسارة والاستلاب الموحش؟
لذا تواجدها بهذه الكثافة يوفر للحكاية النمو والتشعب والولادة الجديدة لحكاية جديدة؟ وولادة الحكاية الجديدة تعنى حضور الجنس، بحيث يصبح التركيز على الجنس غاية الحكاية الجديدة وهدفها والحكاية تحكى ببساطة وحرية وتنقل ما كان يجرى في تلك العصور، فلم يعد احد يتحرج في الحديث عن العشق والجنس وصار خبز الناس اليومي، حديثهم وحكاياتهم حتى يمكن القول إن الاباحية في مجتمعات الدولة الاموية والعباسية بلغت اقصاها فغدت فجوراً وانحلالا ودعارة، واصبحت المرأة كالرجل في بحثها الدائب عمن يحقق لها حالة التراضى
والانسجام مع مجتمعها والتى تكون حصرا في رعشة الجسد، وسجل الفقهاء والعلماء والرجال العاديون اخبار العلاقات الجنسية المتهتكة، وسجل البعض اخبارهم الخاصة مع النساء والجواري، وتحدث هؤلاء الرجال عن نساء مجتمعاتهم وعلاقاتهن الجنسية برجال هذا المجتمع بوضوح وحرية لا نجدها في مجتمعاتنا الحاضرة، وتمثل المقاطع الاتية دليلا حيا على حرية الحديث عن الجنس في المجتمعات الاسلامية الاولى والاموية والعباسية وعلى نظرة الحضرى أو شبه الحضرى للحب والمرأة:
ــ خلا تمام بجارية له فعجز عنها، فقال ما اوسع حرك، فأنشأت تقول: انت الفداء لمن كان يملؤه.. ويشتكى الضيق منه حين يلقاه
ــ وقالت امرأة من أهل الكوفة: دخلت على عائشة بنت طلحة فسألت عنها، فقيل هى مع زوجها في القيطون فسمعت شهيقا وشخيراً لم اسمع مثله، ثم خرجت اليَّ وجبينها يتصبب عرقا، فقلت لها ما ظننت حرة تفعل هذا بنفسها! فقالت ان الخيل تشرب بالصفير.
ــ وكان لرجل امرأة تخاصمه، وكلما خاصمته قام اليها فواقعها، فقالت ويحك كلما تخاصمنى تأتينى بشفيع لا اقدر على رده.
ــ وأتى رجل الى على بن ابى طالب ــ رضى الله عنه ــ وقال: ان لى امرأة كلما غشيتها تقول قتلتنى فقال اقتلها بهذه القتلة وعليّ اثمها.
حكايات واحاديث وقصص لا تنتهى وكى لا نشرد نرجع الى شهرزاد والليالي، المرأة في الليالى كانت تعلن عن توقها الى الرجال وتشترى الذى احبته كما في حكاية على شار وزمرد الجارية أو تصطاده كما في حكاية الرشيد مع الجوهري ولا يخفى ان في حكايات شهرزاد يلاحظ غياب لغة الحوار بين اجساد الشخوص الحكائية اى ان الفضاء الزمانى الفاصل بين الجسدين فضاء آنى قلما يمتد، وهو غائب في احيان كثيرة فاندفاع الجسد نحو جسد آخر يعنى تحديدا تغييب لغة الحوار واحضار الجنس بتكثيف الزمن، ثم الغاءه، وكثيراً ما يقع الجسد في توق الجسد الآخر من اول نظرة دون ان يكون هناك لغة مشتركة، أو رؤية مشتركة الا لغة الدافع الجنسى والسؤال هو، هل يمكن القول اإن رغبة المرأة الهائجة وغير العادية في الحصول على جسد ذكورى عائدة الى الدافع البيولوجى المصاب بخلل في نظام غدده وعملها؟ أم هى عملية احتجاج على وضعها اللا آدمى والمتدني؟ الذى
تكرسه سلطة المجتمع الذكورى البطريركي، وبالتالى يدفعها هذا الوضع الى ضرب رقم قياسى في عدد مرات الخيانة، وعدد مرات المضاجعة، إما مع القرد اوالدب أو العفريت، أو العبيد والخدم في القصور، اوأى رجل آخر يستهويها؟ أم عملية تمرد على القصور الحريرية الناعمة ذات الاسوار الشاهقة التي يبنيها الرجل البطريركى لمحاصرة جسد المرأة ودوام الاستئثار به، باعتباره سلعة مهمة؟ أم ان الرغبة في الجسد والجنس والتهتك رغبة بيولوجية طبيعية لذاتها مثلها مثل بقية الرغبات، بعيدا عن المؤثرات الخارجية؟
يبدو ان هذه الامور مجتمعة أو متفرقة تؤثر على اندفاع الشخصية المحموم والمسعور للحصول على الجسد بأية طريقة كانت: بالتمرد، بالحيلة، بالخيانة، وبالمبالغة فيها بوضع السم للشخصيات الذكورية أو الانثوية التي تحول دون تحقيق هذه الرغبة.
ولقد امتزج الجنس بعدة أشياء في الليالى على رأس هذه الأشياء الجمال، فقد قدمت شهرزاد بانوراما عريضة من الاجساد الجميلة القادرة على بث مكنونات شهوة شهريار، ولكى تقدم شهرزاد الجنس تقديما مثيرا وجماليا لا بد ان تلجأ الى وظيفة مرجعية اخرى تساندها، فالجمال من الله، والله خلق الجمال للانسان كى يستمتع به، وطالما ان الله اصطفى الانسان على الارض وجعله خليفة له، اذن يمتعه بالجمال والشهوة والجنس ليعمر الكون، وتستمر الحياة في سيرورتها الحضارية، لذلك اصبح الجمال هدفا من أهداف الحكاية، والجمال وفق منظور الليالى يتحدد بالدرجة الاولى في تشكيل الجسد واماكنه المثيرة جنسيا وصار الجمال يعنى تحديدا الجسد المثير والمكتنز الشفاف، وكل ما يحقق الظاهرة الحسية بتوقها ونزوعها صوب اللذة، يشكل قيمة جمالية تتبلور اولاً وتتضح من خلال تقاطيع جسد المرأة وتحديدا مورفولوجيتها الخارجية هى المقياس الجمالى الأول، وقيمة هذا المقياس في وظيفته على بث الشهوة ثم اطفائها عن طريق رعشة الجسد.
والجنس في الليالى وكما ذكر الباحث امتزج وتفاعل مع عدة مؤثرات ساهمت في تفرده، مثل الطبيعة ممثلة في البساتين وضفاف الانهار والخمر والموسيقي، فقد لعبت الخمر والرقص والغناء دورا مهما تمهيدا للوصول الى الغاية الكلية (الجسد) أو ذروة الحكاية، كذلك لعبت التوابل وكافة انواع البخور والعطور القادمة من الهند والسند وفارس واليمن دورا واضحا في تفجير الاثارة العربية على المستوى الجنسى ومن يقرأ الليالى جيدا سيلاحظ ان العطارين اصبحوا خبراء في فن الجسد (الجنس) واصبحت حوانيتهم فضاء تعقد فيه صفقات الجنس، وتوقف
الباحث عند الشكل الذى صيغ فيه خطاب الجنس في الليالي، حيث ان خطاب الجنس في الليالى يشكل قصا وسردا بلوحات جمالية متناغمة ومزخرفة ويبدو هذا الخطاب فنا كلاميا بنسق جديد يخرق بنية اللغة العادية التي سادت في كتب الادب.
لقد ساهمت هذه اللغة في تحرير طاقات السرد الكامنة واخراجه من نمطيته، فبنية اللغة الجنسية تتكرر وتترادف اثناء وصف الجسد وتقاطيعه وتكوراته ولحظة تواصله مع جسد آخر.
فى الختام يصل الباحث في كتابه الشيق والمهم الى هذا الحكم: ولولا خطاب الجنس لفقدت ألف ليلة وليلة قيمتها ودلالاتها العميقة على مستوى البنية الحكائية ومستوى عظمتها الادبية والتاريخية ويظل خطاب الجنس فيها من اهم الخطابات الفكرية التي اطرتها الشعوب والحضارات ــ مبدعة ألف ليلة ــ هذا العمل العظيم الذى ذاع صيته إلى افاق الارض شرقا وغربا وحضارات وقارات.
18/12/2005
الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة
تأليف د. محمد عبد الرحمن يونس
مؤسسة الانتشاء الأدبي ـ بيروت ـ لندن.

على الرابط التالي:

http://www.aleftoday.info/node/1511

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

Sex and power in the One Thousand and One Nights Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس قراءة : الدكتور جمعان عبد الكريم

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/05/08/87214.html

الدكتور جمعان عبد الكريم يقرأ كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرض كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة بقلم:د. جُمعان عبدالكريم

عرض كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

تأليف الدكتور محمد عبد الرحمن يونس

د. جُمعان عبدالكريم

المملكة العربية السعودية

جامعة الباحة

ألف ليلة وليلة كنز ثري يمكن للباحث والناقد والأديب أن يدرك أنه من أكثر الكنوز العالمية ثراء بالعلم والأدب والميثولوجيا والتأريخ والإنثروبولوجيا والموارد اللسانية

والنقدية ، وغير ذلك .

إن ألف ليلة وليلة هي ألف خطاب وخطاب ، وفي المظنون أن عطف ليلة واحدة على الألف له دلالته ليس التكثيرية فحسب ، وإنما اللانهائية أي أننا بصدد ألف نهاية ونهاية لم تنته ولن تنته .

في هذا العمل المتميز المتكاثف الظلمة والمتكاثف الضوء والمتكاثف بما بين الظلام والضوء سرى الناقد الدكتور محمد عبد الرحمن يونس وإلى الآن لم يزل يسري .

بيد أننا سنكتفي بعرض عمل واحد من أعماله المتعددة حول ألف ليلة وليلة ألا وهو كتاب ” الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة “(الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ـ بيروت /لندن ، الطبعة الأولى.).

وقد جاء الكتاب في 234 صفحة من القطع المتوسط قسمه المؤلف أربعة أقسام هي : المقدمة ، ثم المرأة وبانوراما الجنس في الحكايات، وسوسيولوجية خطاب الجنس ، ونقد خطاب الحب والسلطة في تأريخنا الليلي ، وبنائية الأمثلة الوظيفية في إحدى حكايات ألف ليلة وليلة . ثم تـأتي الخاتمة.

ولعلّ أول ما يعلق بالذهن بعد الانتهاء من نشوة قراءة الكتاب هي اللغة الفخمة الأنيقة التي استطاع الكتاب بها أن يبتعد وأن يقترب : أن يبتعد عن جفاف اللغة العلمية القاسية ، وأن يقترب في الوقت نفسه من اللغة الأدبية المنمّقة الرائعة دونما تخلّ عن رصانة الفكرة وحيادية العبارة في طرحها العلمي . وهذه خاصية لا تتوافر إلا عند قلائل من الكاتبين .

أمّا في مجال التناول العملي فتبرز القدرة التحليلية واضحة جلية في جميع أجزاء العمل .

ولو رام المرء تتبع أهم خيوط هذا الكتاب فإنه سيجد في القسم الأول تأكيد أنّ الليالي هي نتاج لمجموعة مؤلفين من حضارات متعددة هي الهندية والفارسية والعربية بل إن تعدد المؤلفين واضح أكثر ما يكون الوضوح في التأريخ الطويل الذي مرت به الليالي في الصياغة العربية فالقارئ المتمعّن كما يقول د. يونس : ” يجد أن ثمة اختلافاً في بنية بعض الحكايات من حيث الأسلوب والتراكيب واللغة ” .

ويلح د. يونس على دور المرأة الجنسي في الليالي حيث إن المرأة هي الحلم الوردي بالنسبة للشخصيات التي تشكل الحدث ، إذ تتركز تقنية القص على حضورها المكثّف ، بما يجرّه هذا الحضور من طفحان جنسي ولكن خطاب الليالي في بنيته الدالة العميقة كما يقول الباحث: يحتوي على خطابين هما : خطاب السلطة السوسيولوجي ، وخطاب الجنس الذي يعدّ أهمّ مكونّات السرد ويحلل د. يونس ثلاث حكايات من حكايات ألف ليلة وليلة ليبيّن كيفية تعامل الرواي مع الجنس وكيفية تقديمه مادة رئيسة تتحكم في علاقات الحكاية وفي علاقات الشخوص مع الواقع الاجتماعي والسلطوي .

وفي سويسولوجيا خطاب الجنس نجد تنبيهاً على أن الليالي بطبيعتها لايمكن أن يستوعبها أي منهج نقدي قار ، بل يجب أن تدرس بعدد لامتناه من الدارسين وبعدد لامتناه من المناهج والخطابات ولأن في الليالي تركيزا عاما على أجساد النساء وما تثيره تلك الأجساد فقد تتبع الباحث خطاب الجنس في المجتمعات المختلفة التي تدور فيها الليالي مابين مجتمعات بدائية أو شبه بدائية ومجتمعات حضرية أو شبه حضارية ومابين طبقات مختلفة تجارية وزراعية وإقطاعية وأرستقراطية بل مجتمعات متخيّلة تطوف في عالم الجن والأساطير . ولم تهمل الليالي حتى الحضور الحيواني في هذا الخطاب الجنسي كذلك.

وقد خرج المؤلف في بحثه بما يقرر أن طبيعة العلاقات الجسديّة هي في الغالب علاقات استلابية لا يكاد يشع فيها بريق العلاقات الإنسانية الرفيعة ، وقد فرض التباين الطبقي الشاسع مستويين من تلكم العلاقة مستوى يكون فيه الفعل الجنس قابلا للتحقيق …، ومستوى يكون فيه الدافع الجنسي ملغى ومحاصرا.. .

ولكن الخطاب الجنسي هو في الحقيقة يشكّل في المبنى الحكائي مجموعة حوافز Motifs حكائية ، هذا ويعد د. يونس من أوائل من قاموا بتطبيق مفهوم الحوافز في المنهج الشكلاني عند توماشفسكي في الدراسات النقدية العربية … واحتواء الحكاية على ما يسمىّ الأدب الماجن أو المكشوف(EROTIC LITERATURE)، لا يبعدها بحال عن الانضواء تحت الخطابات الأدبية في بنيتها العميقة كما يقول المؤلف .

وإذا كان الباحث يذهب إلى أن هناك مرواحة فعلية بين الحكاية ، وبين ممارسة شهرزاد للجنس ، بل يذهب إلى أن شهر زاد لا تقوم في حقيقة الأمر سوى بالسخرية من بنات جنسها ، ومن زمنها أكثر من رغبتها في تحريرهن وإعادة شهريار إلى دائرة الوعي والعقل ( انظر ص 102 ) .

فإننا نرى أن فعل ممارسة الحب لايمكن أن يكون متصلاً في جنس وألف جنس وجنس ، لكنّ الأقرب أن يكون في توصيف البنية المستترة ، ولا أقول العميقة إن فعل الحكي نفسه تحول إلى جنس بالحكاية.

إن شهرزاد حينما تسكت عن الكلام المباح إنما تسكت قبل اكتمال رعشة الحكاية مما يجعل شهريار يتشوّق إلى اكتمال الرعشة الحكائية لا الرعشة الجنسية التي قد تتحقق، أو قد تطغى عليها رعشة الحكاية التي ابتكرتها شهرزاد . إن حكايات ألف ليلة وليلة هي ألف رعشة ورعشة.. هي ممارسة الجنس سردياً . إنه جنس في تتابع الحكاية ، وفي تمفصلاته المختلفة في سرد الحكاية، وهو جنس يؤسس في الوقت نفسه لخطاب سوسيولوجي وسلطوي خاص بطبقة خاصة تتكاثف كل مكوّناته لإرضاء تلك الطبقة .

أما القسم الثالث من البحث فيتمحور حول نقد خطاب الحب والسلطة في تاريخنا الليلي، حيث يجب أن تكون دراساته كما يقول الباحث مبنية على الحالة الثقافية والتاريخية لمجتمعات الليالي ( انظر ص 122) . ومن خلال التحليل العميق لبعض حكايات ألف ليلة وليلة يسجل الباحث إدانة كاملة لذينك الخطابين ، إذ الحب في الليالي هو حب يمهّد للجنس، ويقدّم مائدة الجسد على مذبح الآدمية ، أما السلطة فقد كانت سلطة منافقة غرقت في غابات النهود وجبال الأكفال وحفلات المجون والرقص، وأدارت البلاد وفق شيزوفرينيا سلطوية تبيح لها كل شيء باسم الدين الذي استعمل لتمرير كافة أنواع الخطابات المتناقضة والرغبات المزاجية .

وهنا نقف وقفة أخرى مع الباحث الذي أدان العصرين الأموي والعباسي، لنقول إنه على الرغم من الاستبداد والعسف الذي كان يطبع عالم تلك العصور كافة، إلا أنّ العصور الذهبية للحضارة الإسلامية التي لم نزل‘ في العلوم الإنسانية، عالة على كثير من تراثها كانت العصور الثلاثة من الثاني إلى الرابع الهجري ، فقد تفتحت آفاق للعلم والحرية الفكرية ،والتدافع العلمي الراقي، بما لا نجده في عصرنا الحاضر . أما مجتمع الجواري فقد مثّل زاداً جنسياً وجمالياً جعل تلك المجتمعات ترتوي من الجنس ( وهذا لا يعني الإقرار أبدا بعبودية المرأة واستلابها)، لتخلص هذه المجتمعات في الفكر والإبداع والعطاء المعرفي، و حتى لايكون فضاء الجسد هو الهاجس الأكبر في حياتها ،كما هو في الكائن العربي الحديث الذي لا يفكر إلا في تكورّات الجسد وتشكيلاته .

إن الإشباع الجنسي لدى خلفاء تلك العصور جعل كثيراً منهم علماء أو أدباء أو مبدعين مثال المأمون وابن المعتزّ، لكن ذلك لا يمنع كثيراً من الفترات المظلمة التي طغى فيها تسونامي الجنس، فأهلك الحرث والنسل لأنّ الانغماس في هذا الفضاء قد يولّد كائنات همجية لاتحمل أي ذرة من ذرات الكرامة الآدمية .

إن الشبق الجنسي في الكائن العربي الحديث له عوامل مختلفةّ ولكن يظلّ العامل الأكبر هو عامل التخلف الديني والاجتماعي والمدني في عصر الكائن العربي الحديث الذي يحلم كثير من أفراده أن تكون قبورهم بين فخذي امرأة . هذا المجتمع المييئوس من برئه الذي يهين شهرياره المرأة ويقتلها ألف قتلة باسم الدين مرة، وباسم الأخلاق أخرى وهو يمارس الدعارة في الخفاء، هذا الكائن نعم هو الذي جعل الدعارة تلفّ كل علاقاته، فهناك دعارة السياسة ودعارة الفن، ودعارة الثقافة، ودعارة الإدارة ودعارة الدين …إلخ

إن العالم البغائي في ألف ليلة وليلة أطهر بكثير من العالم البغائي العربي في عصرنا الذي يمارس البغاء باسم محاربة البغاء .

وعوداً إلى الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة لنجد في قسمه الأخير دراسة نقدية معمّقة لحكايات ألف ليلة وليلة استعمل فيه المؤلف بنائية الأمثلة الوظائفيّة متابعاً فلاديمير بروب في مفهومه للمثال الوظائفي من خلال تحليله لحكاية (علاء الدين أبو الشامات)، ففي هذه الحكاية تتموضع وظيفة الرحيل ، التي تسبق بوظيفة interdiction، حيث تأخذ في هذه الحكاية شكل النصيحة ، وهناك وظيفة المنع التي لم تتحقق في هذه الحكاية، مما أدّى إلى تحقق وظيفة الأمر أو الاقتراح، التي ينتج عنها فيما بعد وظيفة الخرق أو خرق المنع.

وتنمو الحكاية في ما بعد عن طريق وظيفة الخداع ، فوظيفة التواطؤ العفوي ، فوظيفة الافتقار، ثم وظيفة الوساطة، وتتداخل الأحداث بوظيفة الفعل المضاد حسب مفهوم بروب ،أو وظيفة إرادة الفعل حسب غريماس. ثم تظهر وظيفة المانح ،فوظيفة نزع القناع … وغير ذلك من الوظائف المستعملة في تحليل الحكاية . ويعدّ هذا القسم من الكتاب من أكثر الأقسام تعمّقاً في استعمال أدوات النقد السردي .

وبعد هذه الجولة الماتعة في دراسة خطاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة ،لا يسع القارئ إلا الاتفاق مع المؤلف الذي يذهب إلى أن الفكر الشهرزادي ليس فكرا تنويرياً ، وليس من مهمته أن يكون كذلك ،: ” إنه دعوة إلى الطبقات الاجتماعية المسحوقة للتصالح مع الواقع السائد بكلّ بنياته المهمّشة ، وأوضاعه اللا إنسانية ، وهو دعوة برؤية لا مباشرة للطبقة الفوقية لاستمرارها في إذلال الطبقة الدونية . والدعوة هنا تتبين عن طريق الجنس ، فالجنس هو الذي يشكل هذه الدعوة وآفاقها ” ص 231 .

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/05/08/87214.html

صورة غلاف الجنس والسلطة

Sex and power in the One Thousand and One Nights Book by professor : Mohammad Abdul كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس ـ قراءة إلهام بدر الدين محفوظ

 

 

Sex and power in the One Thousand and One Nights

Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes

 

 

كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

عرض : إلهام بدر الدين محفوظ

 

يعدّ كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس ، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ـ بيروت ,لندن ، من أجرأ الكتب العربية التي حللت حكايات ألف ليلة و ليلة ، وبينت علاقات الارتباط العميقة بين الجنس والسلطة في حكايات الليالي، وهو من أكثرها عمقا وتحليلا أكاديميا وموضوعيا لبنية الحكايات في ألف ليلة وليلة، ودور المرأة في هذه الحكايات ، وفي نمو السرد وتشعبه، وانتقاله من فضاء إلى فضاء، ودورها أيضا في تشكيل الفضاء في مدن الليالي ، إضفاء مكونات السحر والتخيل والأسطورة من خلال جماليات جسدها الذي يبدو هو الآخر أكثر سحرا وأكثر جاذبية، وأكثر حضورا في بنية الحكاية سردا ووصفا وحوارا . ويرى الدكتور يونس في مقدمة كتابه :  أنه على الرغم من الدراسات الكثيرة التي تناولت حكايات ألف ليلة وليلة، فإنّ هذا العمل الأدبي المليء بالجمال والبهاء يبقى في جوهره عملا منفتحا على بنيات معرفيّة تاريخية وثقافية وميثولوجية وأسطوريّة وتخيليّة واجتماعيّة وجنسانيّة لم تستكمل دراساتها بعد.

ويرى أنّ  بنية الليالي المنفتحة على بنيات الثقافات الفارسيّة والهنديّة والعربيّة والسريانيّة والتركيّة هي بنية متنامية تكمن جماليات حركتها في تنوّعها الثرّ، وفي تنوع الدلالات والخطابات الفكريّة التي يركّز عليها السرد والقصّ، وفي انفتاح ألف ليلة وليلة على حقول ثقافيّة وتاريخيّة واجتماعيّة يمتدّ إلى أعماق الحضارات القديمة، وهذا الامتداد والنمو يجعل منها خطابا أدبيا متعدد الاتجاهات والرؤى، ومن داخل هذا التعدد يمكن أن تُدرس الليالي في أكثر من اتجاه، ووفقا لكثير من المناهج النقديّة والفكريّة.

ويرى المؤلف أنّ أهم ما يثير الانتباه في الليالي هذا الحضور الطاغي للمرأة بكل أصنافها، وتوجهاتها، وبكل تشكيلاتها الاجتماعية، فعلى مستوى الفضاء المكاني تتموضع هذه المرأة، سواء أكانت حرة أم جارية، في أمكنه مختلفة ،بعيدة وقريبة ، واقعية وتخيلية، فهي من فارس والهند والسند، وبغداد والبصرة، والقاهرة، والاسكندرية ، ودمشق، وحلب والقدس، وصنعاء والحجاز، ومن أبعد مكان عرفته ، أو سمعت به مخيلة رواة الليالي ومبدعيها . وعلى مستوى الفضاء الزماني ، فإن نساء الليالي هن من كل الأزمنة والعصور، وحلقات التاريخ التي سبقت القص أو تزامنت معه، وعلى المستوى الطبقي تتعرض ليالي ألف ليلة وليلة لشرائح اجتماعية نسويّة متباينة ومتباعدة تارة، ومتقاربة تارة أخرى، وباختلاف طبقاتهن الاجتماعية، فهناك الجارية والوصيفة والسيدة والملكة والأميرة، والأرستقراطيّة الحسناء التي يتقاطر الرجال ورواءها، والفقيرة المعدمة، والقوّادة والقهرمانة، والمحتالة الماكرة، والداهية, والجميلة والقبيحة، والسوداء والبيضاء والشقراء، والفاجرة والداعرة والمتعففة ، ولا نغالي إذا قلنا إنّ المرأة هي البنية شبه الكليّة لمكونات السرد والقص.

ويركز كتاب الدكتور يونس على دراسة مظاهر خطاب الحب والجنس في بعض حكايات ألف ليلة وليلة ، وذلك من خلال تحليل الحكايات ، وربطها بمرجعياتها الثقافية والتاريخية أحيانا، ويدرس ظاهرتي الحب والجنس ونموهما وتشعبهما ، وعلاقتهما بالوضعية الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة زمان الليالي ، ودور هاتين الظاهرتين في تشكيل الحكاية ونموها، باعتبار هذه الحكاية خطابا أدبيا يأخذ من الواقع والتاريخ والحلم والتخيل والأسطورة والخرافة، وباعتبار هذا الخطاب يشكل حالات اجتماعيّة وإنسانية وثقافية وسياسية، ويحلل المؤلف حكايات الليالي مبينا دور الحب والجنس في تشكيل السرد والوصف، والأحداث، والحبكة، والبنية الحكائية العامة لليالي الحب . كما يعمل المؤلف على تبيان دور خطاب الجنس في تحديد كثير من معالم الرؤية السياسيّة لحكام ألف ليلة وليلة، وعلاقاتهم بشعوبهم، وإلى أي مدى تؤثّر المرأة الجارية أو السيدة، أو غيرها من النساء على قراراتهم وأحكامهم، وعلاقاتهم التجاريّة والاقتصاديّة ، كما يبين المؤلف مدى علاقة المرأة بالفضاء الزماني والمكاني ، فالفضاء الزماني المشبع بخطاب الحب والجنس ، وإن بدا طويلا، إلا أنه يبقى محدودا بالمساحة السرديّة الزمنيّة الممتدة عبر الليالي، والتي تتحدد في كون شهرزاد بين أحضان شهريار على مستوى الواقع بجسدها، وعلى مستوى التخيل من خلال أجساد النساء اللواتي تسرد عنهن، وتروي، والفضاء المكاني هو فضاء شمولي ، ينمو ويمتدّ من قصر شهريار إلى قصور سلاطين وأمراء ألف ليلة وليلة وملوكها، ومن هذا الفضاء الشهرياري تتحدد وتتوزع بقية الفضاءات المكانيّة والزمانيّة الأخرى، التي تبدو شاسعة جدا. أمّا عناوين كتابه فقد جاءت على الشكل التالي:

مقدمة

ـ المرأة وبانوراما الجنس في الحكايات .

ـ حكاية علي شار وزمرد الجاريّة .

ـ حكاية الحكيم الفارسي صاحب فرس الأبنوس مع بنت ملك صنعاء .

ـ جسد الجارية بين شهوة الخليفة والوزير والعبد وتشريعات القاضي.

سوسيولوجيا خطاب الجنس في ألف ليلة وليلة

ـ مدخل

ـ حكاية وردان الجزّار مع المرأة صاحبة الكنز

ـ حكاية تتضمن داء غلبة الشهوة في النساء.

ـ نقد خطاب الحب والسلطة في تاريخينا لليلي

ـ مظاهر خطاب الحب

ـ بنائية الأمثلة الوظائفية في إحدى حكايات ألف ليلة وليلة

حكاية علاء الدين أبو الشامات أنموذجا .

ـ خاتمة

وتحت العنوان الموسوم بـ (( بنائية الأمثلة الوظائفية في إحدى حكايات ألف ليلة وليلة)) الذي يعدّ من أطول عناوين الكتاب ، درس المؤلف حكاية من أطول حكايات ألف ليلة وليلة ، وهي حكاية : حكاية علاء الدين أبو الشامات والتاجر محمود البلخي، وسفرهما من مصر إلى بغداد ثمّ  إلى حلب، وما جرى لهما ، وبيّن دور الجنس والرغبة الجنسية في بناء الحكاية ، وتشعبها ، ومسار أحداثها الكثيرة.

وعرّج المؤلف، وبشيء من الإفاضة ، أثناء تحليله لهذه الحكاية على دور الغناء والموسيقا والخمور، في تحفيز خطاب الجنس، وتحفيز الرغبة الجنسية وتأجيجها لدى شخوص الليالي، وبخاصة الشخوص الذين ينتمون إلى الطبقة الحاكمة سياسيا، والمالكة اقتصاديا، وبالتالي تحفيز الحكاية وتشعبها إلى حكايات فرعيّة تلد مزيدا من النساء والجواري . وقد أفاد  ـ وكما يقول ـ أثناء تحليله للحكايات من مظاهر الإيروتيكية العربية ونصوصها وأدبياتها، كما سجّلها الفقهاء والشيوخ الأجلاء في مؤلفاتهم القديمة. وأثبت المؤلف كثيرا من النصوص العلميّة الجريئة في هذا الجانب، والتي تلامس المفاهيم والرؤى التي استنتجها من خلال دراسته ، وتقترب منها، وقد طبّق من خلال هذه الدراسة العلمية الأكاديمية مفاهيم ” الحوافز” عند الشكلانيين الروس، وكذلك مفهوم ” الأمثلة الوظائفيّة” عند فلاديمير بروب، من خلال تحليله للحكايات السحرية الشعبيّة، ومن هنا فإن دراسة الدكتور يونس ربّما جاءت مغايرة لمعظم الدراسات العربية التي تناولت نصوص ألف ليلة وليلة، لكنها لا تدعي أنّها سبقتها معرفيا، وأهمية ودقّة في الوصول إلى النتائج ـ كما يقول ـ بل يمكن اعتبارها بحقّ إحدى المحاولات الجديدة في فهم خطاب الجنس، ودوره في تشكيل الحكاية ، وعلاقته بالتركيبة الاجتماعية والسياسية والحضارية لدى شعوب ألف ليلة وليلة .

ونلاحظ أن المؤلف قد بذل جهدا كبيرا في تحليل الحكايات، مستفيدا من عدد  كبير من المصادر القديمة والحديثة ، والأجنبية المترجمة في معارف إنسانية عديدة ، وتلك التي تتحدث عن ألف ليلة وليلة ، بطريقة مباشرة أم غير مباشرة. كل ذلك من خلال لغة جميلة عذبة أحيانا، ومثيرة وآسرة جرئيه أحيانا أخرى ، وبخاصة تلك النصوص التي تصف أجساد النساء ، وكما وردت في حكايات ألف ليلة وليلة، وفي الكتب الإيروتيكية العربية القديمة ، والتي كانت ممنوعة من التداول، ولفترة قريبة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة، للدكتور محمد عبد الرحمن يونس، بيروت ـ لندن ـ الطبعة الأولى ـ عدد الصفحات 236 من القطع الوسط.

مراجعة وقراءة : إلهام بدر الدين محفوظ ـ  كاتبة و فنانة تشكيلية مقيمة في أمريكا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

Sex and power in the One Thousand and One Nights

Book by professor : Mohammad Abdul Rahman Younes

 

 

كتاب الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة

للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

الناشر: مؤسسة الانتشار الأدبي، بيروت ، لندن ، الطبعة الأولى ، عدد الصفحات 236 من القطع الوسط

 

 

 

صورة غلاف الجنس والسلطة

نساء السلطة في ألف ليلة وليلة كتاب للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

نساء السلطة في ألف ليلة وليلة، الفكر والسلوك، كتاب جديد للدكتور محمد عبد الرحمن يونس صدر عن دار مجلة مقاربات الأكاديمية المحكمة في آسفي، المغرب

 

 

Women power in the One Thousand and One Nights, thought and behavior, a new book by Dr. Mohammad Abdul Rahman Younes, recently published by the House Magazine academic approaches the court in ASafi, Morocco

Book of women power in a thousand and one ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

nights of thought and behavior

 
Dr. Mohammad Abdul Rahman Younes

From the book: not the women power in the Thousand and One Nights Mstbdat Tagyat, but there is in them prostitutes who cheated on their husbands as often as their opportunity to do so, they are planning for this treason and occupying the premises on their husbands to go to the boyfriends, especially if these women Mtejelat, and other favors in the historical reality , knowing that these couples, as he portrays as the narrators, their loyal, faithful and Tqap in some cases. In the story «Junkie with the wife of one of pride,», depicting the narrator wife a men important in the field of power, in an adulterous woman that are retaliating against her husband, the evil of revenge, because they are caught committing adultery in one of neighborliness, as sworn oath that they would retaliate against him, and committing adultery with the dirtiest people and Surround status. Says the woman (1): «It was agreed that I was I, and him sitting in the El Geneina in the home, and if he had risen from the side and missed me an hour long, Fastbtoth, I said to myself may be in the toilet, I got to the toilet, did not find it, and entered the kitchen I saw him I asked her ongoing Vortne him and is lying beside me with going from the kitchen, when I swore that I Solemnly Swear must Aserny with the dirtiest people and Oqdhirhm ». Then out of women, accompanied by her servants and guards to Iju through the streets and alleys searching for a woman’s request and whether even seen people fleeing in panic from tyranny. Junkie says (2): «I found the people at large, said one of them: Enter this alley, lest they kill you. I said: what the people at large? He said to me one of the servants: the harem of some senior companions. And became servants of the way people tend their feet, and beat all the people not caring for one ».

 

 

 

Women power in the One Thousand and One Nightst, thought and behavior, a new book by Dr. Mohammad Abdul Rahman Younes

الاستماع

قراءة صوتية للكلمات

القاموس

 

من الكتاب

 

ليست نساء السلطة في ألف ليلة وليلة مستبدّات طاغيات فحسب، بل يوجد فيهنّ الزواني اللواتي يخنّ أزواجهنّ كلّما سنحت لهنّ الفرصة بذلك، فهنّ يخطّطن لهذه الخيانة ويحتلن على أزواجهنّ ليذهبن إلى عشّاقهنّ، وبخاصّة إذا كانت هاته النسوة مُتَخَيَّلات، وغير معروفات في الواقع التاريخيّ، مع العلم أنّ هؤلاء الأزواج، كما يصوّرهم الرواة، أوفياء لهنّ، و مؤمنون تقاة في بعض الأحيان. ففي حكاية « الحشّاش مع زوجة أحد    الأكابر »، يصوّر الراوي زوجة أحد الرجال المهمّين في حقل السلطة، بصورة المرأة الزانية التي تنتقم من زوجها شرّ انتقام، لأنّها ضبطته يزني بإحدى جواريها، إذ أقسمت يميناً بأنّها ستنتقم منه، وتزني مع أقذر الناس وأحطّهم منزلة. تقول المرأة(1) : « اتّفق أنّني كنت أنا وإيّاه قاعدين في الجنينة داخل البيت، وإذا هو قد قام من جانبي و غاب عنّي ساعة طويلة، فاستبطأته، فقلت في نفسي لعلّه يكون في بيت الخلاء، فنهضت إلى بيت الخلاء، فلم أجده، فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه فأرتني إيّاه و هو راقد مع جارية من جواري المطبخ، فعند ذلك حلفت يميناً مغلظة أنّني لا بدّ أن أزني مع أوسخ الناس وأقذرهم ». عندها تخرج المرأة بصحبة خدمها وحرّاسها ليجوسوا خلال الشوارع و الأزقّة باحثين عن طلب المرأة و ما إن يشاهدها الناس حتّى يفرّوا مذعورين من بطشها. يقول الحشّاش(2): « فوجدت الناس هاربين، فقال واحد منهم: ادخل هذا الزقاق لئلاّ يقتلوك. فقلت: ما للنّاس هاربين؟ فقال لي واحد من الخدم: هذا حريم لبعض الأكابر. وصار الخدم يُنحّون الناس من الطريق قدّامها، ويضربون جميع الناس ولا يبالون بأحد ».

ويمكن أن يتساءل متلقّي الحكاية: طالما أنّ المرأة السلطويّة تخرج باحثة عن رجل وسخ لتزني به، انتقاماً من زوجها الزاني، فما ذنب هذا القطاع العريض من الناس الذي يتجوّل في الشوارع باحثاً عن لقمة عيشه، حتّى يبتعد مذعوراً عن طريق هذه المرأة المستبدّة، و حتّى يُهان ويُضرب، من دون أن يرتكب أيّ ذنب؟. يبدو أنّ المستبدّين و الطغاة في ألف ليلة وليلة، رجالاً ونساءً، كانوا يجدون لذّة في تعذيب الناس وقهرهم، و كان يحسّون بالرضى يملأ نفوسهم، و هم يشاهدون الناس البسطاء يفرّون مذعورين أمامهم، ويبدو أنّ هذا الفرار كان يعزّز لديهم هذا الغرور الأحمق بعظمتهم ومكانتهم السلطويّة. فالاستبداد يضعف الأخلاق الحسنة أو يفسدها أو يمحوها(3).  و من هنا فإنّ المستبدّ الذي تضعف أخلاقه أو تفسد، لا يهمّه إن أُهين شعبه، أو قُهِر جرّاء أفعاله الاستبداديّة. فالمرأة المستبدّة زوجة لأحد رجال السلطة المهمّين، وقد سمحت لخدمها بضرب جميع من يمشي في الشارع الذي تمشي فيه، وأمرت خدمها أن يهينوا الحشّاش، ويربطوه، ويأخذوه عنوة إلى منزلها: « و إذا بالطواشيّ جاء إليّ وقبض عليّ، فتهاربت الناس. وإذا بطواشيّ آخر أخذ حماري ومضى به. ثمّ جاء الطواشيّ وربطني بحبله وجرّني خلفه، وأنا لم أعرف ما الخبر، والناس من خلفنا يصيحون ويقولون: ما يحلّ من الله، هذا رجل حشّاش  فقير الحال ما سبب ربطه بالحبال؟ »(4).

 

 

(1) – مؤلف مجهول: ألف ليلة و ليلة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ت، 2/424-425.

(2) – م ن، 2/421.

 

(3) – الكواكبيّ، عبد الرحمن: طبائع الاستبداد، دار الشرق العربي، بيروت/حلب، الطبعة الثالثة1411هـ/1991م، ص85.

(4) صورة كتابي نساء السلطة في ألف ليلة وليلة

ذكريات ومواجع على ضفاف عدن قصص قصيرة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

ذكريات ومواجع على ضفاف عدن. كتاب جديد للدكتور محمد عبد الرحمن يونس. ( قصص قصيرة)

لوة الغلاف: الفنانة نادية خيالي
التصميم والجرافيك: الفنانة ختام الود غيري

الناشر: دار مجلة مقاربات الأكاديمية المحكمة ، فاس، المغرب ، الطبعة الأولى عام 2016 م.

قراءة عبد الباقي شنان. كندا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنوان هذه المجموعة القصصية يوحي أن المؤلف محمد عبد الرحمن يونس،  من اليمن ، لكن الحقيقة ليست كما نظن، فالكاتب من مدينة اللاذقية إحدى مدن الساحل السوري، وقد اعتاد هذا الأديب” النورس ” أن يلازم البحر، ليمتطي أمواجه، حاملا قلبه النابض، وحقيبة كتب، وأقلاما ومدواة، وملابسا بذاتها، رافقت تنقلاته في الموانئ العربية ، وعواصم العالم البعيدة  التي لا تخطر على بال ، وكلما استقر في مدينة من مدن العرب أتت رواية شيقة ، أو مجموعة قصص دافقة بشاعرية نابضة وبوجدانية نبيلة ، وثراء معرفي ورغبة التجديد في عوالمها الفنية التي تطرحها عذوبة مفرداتها، وتتناولها.

هذا الأديب عرفته مدن وعواصم عربية وعالمية عديدة، وخبرته مثلما خبرها، فبدا وكأنه كائن فاعل ومنفعل، في هذه المجتمعات المتعددة المتباينة بفلوكلورها وأساطيرها وعاداتها وقيمها، وقد كانت خبرته كبيرة بمعرفة هذه المدن ومعايشتها بطوطميتها ومعاصرتها، وفك عقد أسرارها، وما غمض في زوايا شوارعها وشواهدها، ونحن نجد ذلك النسيج الإبداعي والمعرفي في كينونة نتاجه القصصي والروائي وبحوثه الأدبية التي حكمتها أكاديميته ودراساته الجامعية، والتي زخرت وافتخرت بها العديد من المجلات والمراكز الأدبية الجادة ، والكثير من المكتبات الكبيرة العربية والعالمية في كثير من دول العالم ، هذا ناهيك عن مشاركته وإدارته للعديد من الدوريات الأدبية العربية التي تهتم بالنقد الأدبي والإبداع العربي، ومن حسن حظي. إني سبق و اشتغلت معه في تحرير مجلة” النافذة ” الثقافية الشهرية، التي كنت رئيس تحريرها و كان هو مدير تحريرها ، حيث أغناها بصب إنتاجه الثقافي والأدبي.

و قد يبدو لك للوهلة الأولى أن كاتب هذه القصص الساحرة حقاً سيشبع قصصه بأكاديميته ، بيد أنَ الحقيقة مختلفة مع ما ذهبت إليه، فهو حينما يسلم لك مفاتيح مدن كنوزه القصصية تشعر وكأنَّه قد انفصل عن أكاديميته انفصالاً لا رجعة فيه ، واتحد مع إبداعه اتحاد العصافير مع بيادر القمح، وعاش معاناة شخوصه حتى لكأن شخوصه هم مَن يكتبونه وليس هو مَن يكتبهم. وبين أيادينا الآن واحدة من مجموعات القصصية، أو قل إحدى عوالمه السحرية، هي:” ذكريات ومواجع على ضفاف عدن ” ، فلو انطلقنا من تركيب مفردات عنوان هذه الباقة القصصية لوجدنا ذلك الارتباط الصميمي لمواجع الكاتب الذي عانى غربة في طفولته حتى وصوله إلى أعلى درجات التحصيل العلمي بروفيسور ” ، ثم لوجدنا حميمية العلاقة بين.ضفاف مدينته الساحلية ، وضفاف سواحل مدينة عدن.

إن قصص هذه المجموعة صاخبة الدلالات تفيض بمصداقية أحاسيس شخوصها التي تنبجس من أعماق نفس كاتب تعتقت في الإبداع والخلق الفني الأستيطيقي، وتفجرت من ينابيع القص العذب ، فأتت تحمل أرواح شخوصها بعنفوانية مشهودة، ومعبرة عن مجتمعنا العربي بكل ندوبه وفواجعه ونكساته وهزائمه ووحشية علاقاته، وظلام سجونه ، ووقاحة دوائره ومؤسساته العامة والخاصة،  فقد لامست مستوى وجدان المتلقي بتوجساته وقلقه و انكساره، وقد تضمخ سردها الشفيف بجاذبية جمال اللغة المرصوفة بخبرة فنية لغوية عالية التكثيف ، فانعكست فنيتها وجماليتها على ديناميكية سرد أعماق حياة شخوصها، الأمر الذي أنعكس علينا كمتلقين. إنها قصص تشي في نفس المتلقي صدمة أخاذة بكر، مصحوبة بجماليات المعاني والصور الإيحائية والدلالية ، والسرد الجدلي المتلولب متعدد المستويات، وكأنه في تعدد مستوياته يحتال على ماهو شائك، حيث وجد المتلقي نفسه في فيض من الرقي الذاتي والجمالي، ممزوجا بحنين داخلي إلى عوالم نظيفة ، وعلاقات بشرية أكثر عقلا ونبلا وسلاما وطمأنينة.

عبد الباقي شنان، قاص وروائي عربي مقيم في كندا

رئيس تحرير مجلة النافذة الثقافية، سابقاذكريات ومواجع على ضفاف عدن

Introduction book authoritarian tyranny and sexual corruption in the One Thousand and One Nights Dr. Mohammad Abdul Rahman Younes مقدمة كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن يونس الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة

Introduction book authoritarian tyranny and sexual corruption in the One Thousand and One Nights Dr. Mohammad Abdul Rahman Younes
مقدمة كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن يونس
الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة

مما دفعني إلى اختيار هذا البحث ـ الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة ـ وبالدرجة الأولى، إعجابي بهذا العمل، وقدرته على استجلاء مظاهر المدن، سواء أكانت مُتخيّلة أم واقعيّة، على المستويين: الاجتماعي والسياسيّ، وإعجابي بعنصر السرد الأخّاذ الذي اعتمده رواة ألف ليلة وليلة، وقدرته العجيبة على إضفاء وشاح من السحر والخرافة على واقع المدن الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، ومن ثمّ لإدانة المدن نفسها، بسلطاتها، وعاداتها وقيمها، وطبقاتها الاجتماعيّة، والسياسيّة، وعلاقاتها الجنسية المتهتكة أحيانا، والمشروعة أحيانا أخرى، مع فسادها في الوقت نفسه.
ويرجع سبب اقتران الاستبداد السلطوي بالفساد الجنسي في بحثي هذا إلى أنّ وجود الجماعات السياسيّة التي تحكم مدن ألف ليلة وليلة وتدير شؤونها، تقوم على رأسها سلطات فاسدة باطشة متجبرة تحركها شواتها الجنسية وتتحكم في قرارتها ، وتبطل إعمال العقل، إذا حضر الجسد الشهواني المكتنز إثارة وجمالا جنسيين، وعلى الرغم من كل ذلك، نجد أنّ سكّان مدن ألف ليلة يعتقدون أنّ ملوكهم أو خلفاءهم هم ظلّ الله على الأرض، والأوصياء على شريعته. ونظراً لأنّ سلطات هذه المدن سلطات استبداديّة فإنّه يُلاحظ أنّ قوانين هذه المدن وأعرافها وتقاليدها تتشكّل بالدرجة الأولى تأسيساً على قوانين سلطة القصر ورغباتها، قبل أن تُستمدّ من رغبات الشعب وآماله وتطلّعاته.
وإذا كان حكّام ألف ليلة وليلة خلفاء أو ملوكاً يستشيرون وزراءهم أو قادة جيوشهم العسكريّة، أو خاصّة المقرّبين منهم في بعض الأحيان، فإنّ هؤلاء الحكّام يظلّون في نهاية المطاف أنانيين و فرديين وطغاة يتعاركون لأجل النساء، ويبددون أموال دولهم للحصول على هاته النساء اغتصابا أو امتلاكا.. ومن هنا بدا لي أنّ دراسة ملامح حكام ألف ليلة وليلة يجب أن تكون متزامنة مع دراسة ملامح الجانب الجنسي الشبقي لدى هؤلاء الحكام.
كنت أشعر حين قراءتي لنصوص ألف ليلة وليلة بمتعة عارمة تستوطن ذاكرتي، فقد كانت قادرة على إيقاظ جميع أحلامي الجامحة الملغاة، المتوثّبة أبداً صوب مدن نائية مسكونة بالدّهشة والغرابة. وهذه المتعة التي كنت أعايشها كانت أكبر من جميع المتع التي كنت أجدها في الخطابات الأدبيّة الأخرى، من شعر قديم و حديث وقصّة ورواية ومسرح وتراث أدبي وتاريخيّ. ومسكوناً بالدهشة والأحلام الجامحة التي لم تتحقق طوال حياتي، رحت أقرأ هذه النصوص بشغف العاشق المنبهر بجمالها، وسحرها وصدقها وكذبها في آن. ولعلّ هذه الدهشة هي السبب الرئيس الذي دفعني لاختيار بحثي هذا. ونتيجة لإعجابي بهذا العمل ، عكفت منذ سنوات على قراءته قراءة المستمتع، ثم حاولت دراسته وفهم نصوصه، وبعد ذلك أنجزت فيه عدّة أبحاث طويلة نُشرت في المجلات العربية(1).
وقد لاحظت، من خلال كثير من الدراسات حول ألف ليلة وليلة، والتي استطعت الاطلاع عليها، سواء أكانت مترجمة إلى اللغة العربيّة أم مكتوبة بها، أنّ هذه الدراسات لم تدرس موضوع الفساد السلطوي دراسة مستقلّة ومستفيضة، ولا موضوع الفساد الجنسي، ولذا كان بحثي محتفيا بهذا الموضوع..
و من هنا، فإنّ الآراء التي تطالب بالتوقّف عن البحث في حكايات ألف ليلة وليلة، بدعوى أنّ هذه الحكايات قد استوفت حقّها من الدراسة والتحليل(2)، ليست صائبة تماماً، لأنّ نصوص الليالي قابلة لمزيد من الدرس والتحليل، ومن زوايا نظر متعددة، بتعدّد الباحثين و قدراتهم ومواهبهم، و طرائقهم المختلفة في التحليل والدراسة. فالأبحاث في ألف ليلة وليلة لا يمكن أن تكون نهائيّة، لأنّ هذه النصوص تنفتح على تاريخ الأمم والحضارات، و ميثولوجياتها، وعاداتها و قيمها و ثقافتها، و حروبها وانتصاراتها وهزائمها، وعلى ما هو جميل و قبيح، و خيّر و شرير فيها، وبالتالي فإنّ البحث في هذه النصوص يظلّ قائماً و مشروعا، لأنّ نصوص ألف ليلة وليلة تظلّ نصوصاً خالدة على مرّ العصور، وقادرة على أن تكون منبعاً ثرّاً لكثير من النصوص الإبداعيّة الحديثة، سواء في الشعر، أو في القصّة، أو في الرواية، أو في المسرح، أو في السينما.
و من هنا بدا لي أنّ المنهج الذي يمكن أن يساعدني على فهم نصوص حكايات ألف ليلة و ليلة و تحليلها، و على دراسة نقاط التلاقي بين ما جاء في هذه الحكايات وبين ما هو قائم في المجتمعات العربية و الإسلامية، هو منهج الدراسات الاجتماعية، ولذا فقد اعتمدت بعض معطياته في دراسة نصوص الليالي و قارنت بين ما جاء في هذه النصوص و بين ما هو قائم أساساً على أرض الواقع، ففي نصوص ألف ليلة و ليلة لا يمكن الفصل بين النصوص الحكائيّة و بين الواقع الاجتماعي الذي فرز هذه النصوص، لأنّ هذه النصوص هي مرآة للحضارة العربية و الإسلامية بوجهيها السلبي و الإيجابي.
و قد أفدت أيضاً من معطيات المنهج التاريخيّ في إلقاء الضوء على ما ورد في الليالي، وقد ساعدني هذا المنهج على فهم حركات الأبطال و الجماعات الإنسانية في مجتمعات ألف ليلة و ليلة و مواقفهم، لأنّ النصوص التاريخية التي استطعت الاطلاع عليها شكّلت خلفية مرجعية مهمّة ساعدتني على فهم نصوص الليالي، و كانت وسيلة من وسائل كشف ما خفي في هذه النصوص، و بالتالي كان لها الدور الكبير في تعليل الأحكام واستنتاجها. و على الرغم من أنّ قسماً من حكايات الليالي يوغل بعيداً في عمق الزمن التخيليّ، فإنّ قسماً من هذه الحكايات يستمدّ مقوّمات أحداثه من أحداث التاريخ، بل نجد أحياناً أنّ غير حكاية من حكايات الليالي ترد بنفس أحداثها في المصادر التاريخية، فعلى سبيل المثال نجد أنّ حكاية: » الحجاج بن يوسف الثقفي مع هند بنت النعمان « ترد بنفس أحداثها و أسماء شخوصها عند الأبشيهي في كتابه: » المستطرف في كل فن مستظرف «، وترد عند الأصفهاني في كتابه: » الأغاني«، وعند ابن عبد ربّه الأندلسي في كتابه: » العقد الفريد «. ونجد أنّ إحدى الحكايات المتشعبة من حكاية » الأحدب و ملك الصين «، وهي حكاية » التاجر البغدادي مع إحدى جواري السيّدة زبيدة «، تتناصّ بشكل واضح مع إحدى حكايات التنوخي في كتابه: » الفرج بعد الشدة «، والتي يسميها التنوخي بـ: » أقسم ان يغسل يديه أربعين مرة إذا أكل زيرباجة «. ونجد أنّ حكاية: » المأمون و رغبته في هدم أهرامات مصر « ترد بنفس الأحداث، وباختلاف جد طفيف في أسماء شخوصها، عند المسعودي في كتابه: » أخبار الزمان «، بالإضافة إلى عدد غير قليل من الحكايات الأخرى التي ترد في مصادر تاريخيّة متعدّدة.

أمّا مصادري ومراجعي في هذا البحث فهي كثيرة، بحيث يبدو الحديث عنها طويلا، ولذا فقد اكتفيت بالإشارة إليها بكلّ أمانة في هوامش البحث، بالإضافة إلى فهرس المصادر والمراجع والدّوريّات في آخر البحث،
ويبقى أهمّ مصدر رئيس اعتمده هذا البحث في دراسة الموضوعات الرئيسة والفرعيّة، هو: ألف ليلة وليلة (بأجزائه الأربعة، طبعة دار مكتبة الحياة، بيروت). غير أنّ هذه الطبعة ليست الوحيدة التي اطّلعت عليها، فقد اطّلعت على الطبعات الآتية من ألف ليلة وليلة: (طبعة المكتبة الشعبيّة، بيروت، د.ت، بأجزائها الأربعة)، و (طبعة دار مكتبة التربيّة، بيروت، بأجزائها الأربعة الطبعة السادسة، 1412هـ/1992م)، والطبعة المهذّبة التي أعدّها رشدي صالح (دار الشروق، القاهرة، جزءان)، وهي طبعة ناقصة، وبالتالي كان طبيعياً أن لا يعتمدها هذا البحث.
أمّا سبب اعتمادي طبعة دار مكتبة الحياة؟ فهو يعود إلى أنه بعد مقارنتي بين الطبعات الثلاث الأولى (مكتبة الحياة ـ المكتبة الشعبيّة ـ مكتبة التربية)، وجدت أنّ الفروق بين هذه الطبعات طفيفة جداً، وأنّ هذه الطبعات تكاد تكون متطابقة تماماً: في الحكايات، والأحداث، والمدن الواقعيّة والمتخيّلة، والأبطال من الملوك والخلفاء والنساء والتجّار. من هنا بدا طبيعياً أن أكتفي بنسخة واحدة أعتمدها من أول البحث إلى آخره، وهي طبعة دار مكتبة الحياة. ولعلّ السبب الرئيس في اختيار هذه الطبعة هو ببساطة: أنّ الخط الطباعي الذي طُبعت به هذه الطبعة أوضح من خلال كثافته اللونيّة، مقارنة بخط الطبعتين السابقتين. وهذا الخط، كما أرى، مريح للعينين، ويجعل من القراءة فعلاً ممتعاً وجذّاباً، أكثر مما لو كان الخط الطباعي غير واضح.

بدأت بحثي بمدخل تحدّثت فيه عن فعل السلطة عبر التاريخ، ودورها في استعباد الناس وإذلالهم، وتشويه العلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة في ما بينهم، حتى تتمكن من قيادتهم، وأثبتُّ بعض تعريفات السلطة من خلال المراجع، وذكرت بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في الحاكم أو الخليفة، حتى يعيش رعاياه في أمان من بطشه، تأسيساً على آراء الفلاسفة والفقهاء الإسلاميين، ثمّ حاولت أنّ أدرس بعض ملامح سلطة الحكّام المهمّين في ألف ليلة وليلة، كما أبرزتها.
ونظراً لأنّ حكّام مدن الليالي كثيرون جداً، فقد اكتفيت بإبراز أهمّ الملامح السلطويّة لبعض الخلفاء، والحكّام، وركّزت على الحكّام المعروفين تاريخيّاً. ومن هؤلاء الحكّام: الخليفة العباسي هرون الرشيد، وابنه الخليفة عبد الله المأمون، والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، والحجّاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك بن مروان على العراق. وعرّجت على بعض الملامح الاستبداديّة لملك غير معروف تاريخيّاً وهو الملك عمر النعمان.
ويأتي تركيزي على هؤلاء الحكام، لأنّهم أهمّ الحكّام الذين يأخذون مساحات واسعة من السرد الحكائيّ، إذ تحتفي حكايات ألف ليلة وليلة بهم احتفاءً واضحاً يفوق احتفاءها بغيرهم من الحكام، ولأنّ الحديث عنهم في الليالي كان متعدّداً ومتشعّباً فقد ساعدني هذا التعدد على أن أدرس ملامحهم المتعددة والواضحة في الحكايات التي ذكرتهم، فالخليفة هرون الرشيد يكاد يكون محوراً رئيساً تدور حوله كثير من حكايات ألف ليلة وليلة، وهو حاكم متعدّد المواهب والملامح، ويجمع كثيراً من التناقضات في آن، ويبدو حضوره قوياً طاغياً عل كل من حوله. بينما تبدو شخصية ابنه الخليفة عبد الله المأمون شخصية رئيسة نامية، متعددة الملامح والوجوه، فهي شخصية حكيمة وعاقلة وخبيرة بفنّ السياسة، ومتسامحة وقادرة على أن تعفو عن المعارضين السياسيين لحكمها، وفي مواضع أخرى تبدو شخصية عابثة لاهية عاشقة للفنّ والموسيقى، ومرة أخرى تبدو قوية وحازمة تفرض هيبتها على جميع من حولها، وبالتالي فإنّ هذه الشخصيّة تجمع ملامح مشتركة لعدة حكّام من حكّام الليالي.
أمّا الخليفة عمر بن عبد العزيز فإنّه يُمثّل نموذج الحاكم الأكثر عدلاً من بين حكّام الليالي، فصورته العادلة تُمثّل في النهاية آمال الطبقات الفقيرة المسحوقة، وتطلّعاتها صوب الحقّ والخير والعدل. أمّا شخصيّتا الملك عمر النعمان والحجاج بن يوسف الثقفي، فإنّهما تمثّلان أهمّ الرموز الاستبداديّة السلطوية في حكايات ألف ليلة وليلة، الرموز التي تطمح الطبقات الشعبيّة إلى الانتقام منها، وإسقاط نظام حكمها، والسخرية بها، ومن هنا فإنّ دراسة ملامح هاتين الشخصيتين يمكن أن تشكّل محاور بديلة من دراسة ملامح كثير من حكام الليالي، الذين يلتقون معهما في ملامح الظلم والاستبداد والجبروت والاعتداء على حريّات مواطنيهم.
إنّ دراسة ملامح هؤلاء الحكّام يمكن أن تقدّم صورة واضحة عن جميع خلفاء مدن ألف ليلة وليلة وحكّامها ، سواء كانوا واقعيين أم من نسيج الخيال، وبالتالي كان التركيز عليهم من دون غيرهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اكتفيت بدراسة ملامحهم منعاً للتكرار والإطالة، لأنّ دراسة ملامح الحكّام الآخرين لن تضيف جديداً إلى هذه الدراسة.
وحاولت إبراز الوجه الاستبدادي لبعض نساء السلطة في ألف ليلة وليلة. ومن هؤلاء النساء: السيّدة زبيدة زوجة الخليفة هرون الرشيد، وجارية مستبدّة من جواريها، وملكة أسطوريّة من ملكات ألف ليلة وليلة، وهي الملكة منار السنا، وأميرة أخرى غير معروفة تاريخيّاً، وهي الأميرة دنيا بنت الملك شهرمان. وهذه النساء يمكن أن تكون أهمّ الرموز الاستبداديّة من بين نساء ألف ليلة وليلة جميعها، ولذا فقد اكتفيت بدراسة ملامحهنّ من دون غيرهنّ من النساء السلطويّات الأخريات.
وعرّجت على أهمّ ملامح بعض النساء السلطويّات الزواني، وبعض ملامح الإيديولوجيا الرجوليّة المعادية لهنّ. ولم أدرس ملامح المرأة السلطويّة العادلة الورعة، الأمّ والأخت، والزوجة الوفيّة المستقيمة في أخلاقها وسلوكها، لأنّ حكايات ألف ليلة وليلة تكاد تخلو من هذا النموذج. وحاولت أن أبيّن إلى أيّ مدى تمارس النساء الجميلات من سلطة قويّة على رجال السلطة، ثمّ أنهيت الفصل بدراسة تحت عنوان: سلطة الحكاية وسلطة القتل في ألف ليلة وليلة، درست فيها مدى تأثير سلطة الحكاية العجائبيّة على رجال السلطة، ودورها في إنقاذ الشخوص الرّواة من بطش رجال السلطة المروي لهم.
وإذا كان من المعروف أنّ ثمّة صعوبات كثيرة تعترض كل باحث، فإنّ أهمّ الصعوبات التي رافقت هذا البحث في مسيرته الطويلة تتمثّل في أنّ ألف ليلة وليلة عمل كبير ومتشعّب، وفيه كثير من التكرار في ملامح الشخصيات وأسمائها، وفي الأحداث، وفي المدن. والحكايات فيه متداخلة في ما بينها تداخلاً معقدّاً، فالرّواة يقطعون الحكاية الأولى فجأة، ليبدأوا في سرد حكاية ثانية جديدة، وقبل أن تنتهي يؤجّلون سرد الحدث ليعودوا إمّا إلى الحكاية الأولى أو إلى الثانية، ومن ثمّ ليقحموا على السرد الحكائي مجموعة كبيرة من الشخوص، ومجموعة من المدن القريبة والبعيدة، المتخيّلة والواقعيّة في آن. ومن هنا فإنّ القارئ يتوه في شبكة من الأحداث المقطوعة الموصولة في آن، وفي سردٍ كثير الارتحال، ويجد نفسه بحاجة لأن يقرأ الحكايات غير مرّة. وأمام سلسلة الانقطاعات السرديّة اضطررت لأن أقرأ أجزاء ألف ليلة وليلة جميعها أربع مرّات، حتى أستطيع أن أتابع خيوط السرد في ارتحالاته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى اضطررت لأن أعدّ مئات البطاقات التي تجمع الاقتباسات، سواء من نصوص ألف ليلة وليلة، أم من المصادر والمراجع المساعدة. وحين بدأت في كتابة البحث وجدت نفسي تائهاً بين غابة من البطاقات التي تجاوزت الألفين.
والله ولي التوفيق.
د. محمد عبد الرحمن يونس